لم أعرف طيلة حياتي طعم الراحة, ولم أنم مطمئنة آمنة, ممتلئة البطن, لا أشكو بردا ولا أكابد جوعا, الا لديكم... فليبارك الله معروفكم ويثيبكم عني خيرا . تمتمت بامتنان تلك العجوز التي تجاوزت المائة بأربع سنوات, والتي ترقد حاليا في دار العجزة وذوي الاحتياجات الخاصة بمعسكر الامارات للاجئين في كوكيس شمالي ألبانيا, والتي تحظى برعاية طبية وغذائية ونفسية على أرفع المستويات. وهذه العجوز التي ما زالت رغم انهيار قواها وتوقف معظم اجهزة جسمها, تتمتع بدرجة ما من اليقظة العقلية, ما هي الا واحدة ضمن 40 عجوزا ومعاقا يضمهم أو بالأحرى تحتضنهم الدار في حب وحنو, تأكيدا لقيمنا العربية والاسلامية, التي تحث على رعاية الكبير وتوقيره وخفض جناح الذل له من الرحمة, بعد ان يشتعل رأسه شيبا وينقطع عن أهله وذويه. وبلا مبالغة أو مغالاة, فإن الدار التي أمر صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة بإنشائها تمثل بادرة انسانية ولفتة بالغة الدلالة, وإضاءة مبهرة تضاف الى رصيد الأيادي البيضاء في كوكيس. رحمة وإيثار تقول النقيب فريدة سالمين بن رباع مديرة الدار: يقوم نظام العمل في الدار على مبادىء الرحمة والايثار, وهما أول انطباع يخرج به المرء حينما يطلع على شروط ادخال النزلاء إليه. فبتوجيهات صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان, تسارع الدار لاستيعاب المسنين ممن فقدوا العائل والأهل في الحرب, أو المعاقين الذين تقتضي ظروفهم الصحية البقاء تحت رعاية طبية مكثفة. كما تستقبل الدار الحالات التي يوصي الاطباء المشرفون على مستشفى مخيم الامارات, أو المشرفون على مستشفى كوكيس العام, بضرورة ادخالها دار العجزة نظرا لدقة الوضع الصحي. وتحتضن الدار في الوقت الراهن, أربع حالات من العجزة الذين توقفت قدراتهم العقلية بالاضافة الى المعاقين وذوي الاحتياجات الخاصة الذين فقدوا العائل والأهل. وتضيف النقيب فريدة سالمين: وفي واقع الأمر ان اهم اهداف الدار تتمثل في لم شمل المسنين بذويهم, وهو الامر الذي تحقق خلال الاسبوع الماضي, حيث تمكنت عشر عائلات من الاتصال بذويهم المسنين في الدار والذين تم الاعلان عنهم لدى المنظمات الدولية, ومن ثم جاءت عائلاتهم لاصطحابهم الى حيث يعيشون. وهنا تجدر الاشارة الى ان أبناء كوسوفو يتميزون كالعرب بالحرس على الروابط الاسرية والاهتمام بقيم العائلة. وعادة ما تكون لحظة اللقاء درامية مشحونة بالمشاعر الى درجة ان العاملين بالدار, لا يستطيعون في هذه الاثناء, كبح دموعهم التي تهطل مدرارا. الموت شيئاً فشيئاً وحول أكثر الحالات المأساوية التي تحتضنها الدار تقول النقيب فريدة: منذ نحو اسبوعين استقبلت الدار شابا مشلولا لا يزيد عمره على 24 عاما, جاء مع بعض النازحين على جرار زراعي, وذلك بعدها قتل الصرب كافة افراد اسرته, وسرقوا كرسيه المتحرك, وألقوا به الى قارعة الطريق في البرد ليموت شيئا فشيئا, لكن ارادة الله شاءت ان يصادفه هؤلاء الغرباء عنه حيث حملوه معهم واصطحبوه الى الدار. وفي بداية عهده بالدار, كان هذا الشاب مفزوعا مضطربا قلقا, لا يثق في احد, وكان متخوفا من زي العناصر والأفراد العسكري, الى ان بدأ يهدأ وسكنت هواجسه, وأصبح مطمئنا مستقر النفس. كما شهدت الدار ثلاث حالات وفاة طبيعية, وبعدما تعرف اللاجئون على المتوفين, أقيمت الصلاة على أرواحهم, وتم تغسيلهم اكراما لهم, ومن ثم دفنهم. تطوير الدار وبالنسبة لخطط تطوير الدار, تشير الى ان الدار التي تأسست بناء على فكرة طموحة لجمعية الهلال الاحمر, تستعيد حاليا لرفع طاقتها الاستيعابية الى 100 سرير, بدلا من 40 سريرا في الوقت الراهن, وذلك نظرا لزيادة الضغط على خدماته حيث يستقبل يوميا ما بين حالتين الى أربع حالات. كما ستتلقى الدار مجموعة من الكراسي المتحركة ومتوازيات لمساعدة المسنين على الوقوف والتنقل... وتوفير هذه التجهيزات في واقع الأمر يأتي بتوجيهات الفريق الركن طيار سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس أركان القوات المسلحة, وبفضل عطاء وجهود الجمعيات الخيرية بالدولة خاصة جمعية الهلال الأحمر. النظافة والغذاء وتتحدث النقيب فريدة بن سالمين حول فلسفة عمل الدار حيث تقول: تعتبر مسألة الحفاظ على نظافة المسن وتوفير كافة المستحضرات التي تكفل ذلك من أهم أولويات الدار, ولذلك يقوم فريق من الممرضات بالاشراف على برنامج لاغتسال النزلاء بحيث يغتسل كل نزيل بالدار مرتين اسبوعيا. بالاضافة الى ذلك, تولي الدار اهتماما كبيرا بالنظام الغذائي للمقيمين فيها حيث يحصل المسن أو المعاق على ثلاث وجبات متوازنة متكاملة, فتتمثل وجبة الافطار في الخبز والأجبان والمربى والحليب الطازج, فيما تقدم الدار للغداء وجبة ساخنة مشبعة تتضمن بروتينات حيوانية. كما يحصل المقيم في العشاء على بقوليات مطهية وعصائر طازجة, بالاضافة الى بعض الأطعمة الخفيفة ما بين الوجبات, والتي تشتمل على البسكويت والمعجنات أو الحلويات والعصائر. ونظرا لإيمان القائمين على المعسكر بأهمية الترويج النفسي لكبار السن, فإن الدار تنتظر حاليا وصول بعض اجهزة التلفزيون والمذياع لتركيبها في الخيام للترفيه عن هؤلاء المساكين. وتختتم النقيب فريدة حديثها قائلة: ما من شك ان النجاح الذي حققته الدار يعتبر كبيرا في ظل ظروف تأسيسها وانشائها وان الفضل في هذا النجاح يعود الى اتباع القائمين على المعسكر لتوجيهات صاحب السمو رئيس الدولة وإيمانهم بضرورة التراحم والعطاء, وهي سمة العرب والمسلمين في الظروف الصعبة. كوكيس ــ محمد مصطفى موسى
