طالبنا مراراً وتكراراً بتحسين الخدمات الصحية بالدولة لأننا نعد من الأمم المتقدمة في هذا القطاع على المستوى العالمي, وذكرنا في ايام مضت بعض اوجه القصور الواضحة لكل من يتعامل مع صحته لدى القطاع الحكومي في جانب العلاج . وتحسين الخدمات الطبية لا يأتي عن طريق الاعتداء على العاملين في المجال الطبي, وبالذات الاطباء الذين يدخلون في حكم الوظيفة العامة في الدولة كما هي في سائر بلاد العالم, لها قدسيتها ولا يحق لاي شخص ان يسعى الى النيل منها بالتصرفات غير المسؤولة. استوقفني كثيراً في باب الحوادث والقضايا (حكما غير مسبوق) وعنوان مفاده:الحكم بالسجن والجلد على شاب اعتدى على طبيب اثناء عمله. في امارة رأس الخيمة صدر هذا الحكم غير المسبوق من قبل المحكمة على مواطن بجريمة الاعتداء بالضرب على موظف عام اثناء ادائه لمسؤولياته الوظيفية, ومن ثم حكمت عليه بالسجن عشرة ايام والجلد سبعين جلدة. فهذا المواطن المراهق الذي يبلغ من العمر ثمانية عشر عاماً كان قد تهجم على طبيب بالضرب اعتقادا منه انه اهمل في علاج والده مما عجل بوفاته. وهذا التصرف الذي يتصف بسلوك العجلة مرفوض تماماً, لانه لا يملك احد من البشر تقديم او تأخير اجل الانسان الا في حالة وجود دافع القتل العمد, والطبيب ليس له في هذه العملية ناقة ولا بعير وحتى لو حصل هذا النوع من القتل كما يسمى في الغرب قتل الرحمة فهذا لا يعد تعجيلاً او تقديماً لوفاة الانسان لان المكتوب في ظهر الغيب ان يموت هذا لسبب ما, وكان الطبيب او غيره سبباً في وفاته وان زمن او وقت الموت مجهول الى الابد لانه من اختصاص خالق البشر. فوقوف المحكمة بجانب الطبيب كان امراً هاماً لاعطاء الطبيب مزيداً من الثقة في عمله وتعامله مع المرضى والا اصبح الامر فوضى لا قرار لها, وصار الضرب والركل ورفع الاصوات والايدي من المبررات المرافقة في حال فشل طبيب ما في علاج مرض عضال وهو كثيراً ما يحدث. هنا من المهم ان نبين ان اهمال الطبيب المثبت بالادلة والبراهين الواضحة وغير القابلة للاجتهادات الفردية وأعني بذلك وجود لجنة تحقيق محايدة تنشر النتائج اولاً بأول على الرأي العام لتبصيره بأن ما يحدث في مستشفياتنا تحت المراقبة والضبط والربط, هو بعيد عن الاهواء والاغراض الشخصية دفاعا عن المصلحة العامة وهذا هو الأصل. فأية محاولة فردية من قبل المراجع لهذه المرافق الطبية تنم عن سوء استخدام للآداب العامة سواء من ناحية الالفاظ او غيرها من الوسائل مرفوضة من قبل كل افراد المجتمع الذي يلجأ الى هذا المكان من اجل الشفاء من الامراض والعلل التي لا ينجو منها الانسان. فالعلاج العملي لمثل هذه الحالات او التصرفات لا يأتي الا بالمزيد من الاجتهاد في الحفاظ على ارواح المرضى من الهلاك المفاجىء, وهذا ما قام به اخيراً الملياردير بيل جيتس مؤسس شركة مايكروسوفت لبرامج الكمبيوتر عندما تبرع بمبلغ 50 مليون (خمسين مليون) دولار لصالح برنامج صحي يهدف الى منع حالات الوفاة او الاصابة باعاقة بين الامهات الحوامل, والغاية من هذه المنحة هي سد الثغرات في سبل الرعاية الصحية في حالات الطوارىء في افريقيا وآسيا وامريكا اللاتينية, وهي ذات اهمية شديدة بسبب اثرها في الأجل الطويل على ملايين البشر. بمثل هذه المبادرات الرائدة نستطيع ان نسد الفجوات التي تظهر في مجال الخدمات الطبية, ولا يمكن للضرب ان يؤدي هذا الغرض لانه فعل سلبي يخلق فجوات اخرى قد يصعب سدها بسهولة لانها مرتبطة بالسلوك, ومن مصادفات القدر ان يتم نشر خبر المحكمة في يوم الثلاثاء 11/5/1999م ويتلوه خبر بيل جيتس وفي كلا الخبرين دلالات لا تخفى على القارىء.