إذا أردنا لقطار التوطين أن يأخذ مكانه في المجتمع فلا يكفي التحدث عنه بالأماني في المناسبات وكأن العملية هي بضاعة تسويقية أو سلعة استهلاكية نطمئن بها المجتمع بأن الأمور على ما يرام . المطلوب من وزارة العمل والشؤون الاجتماعية اعتماد مبدأ التوطين المستمر دون النظر فقط الى النسب المئوية التي تم تحديدها في بعض القطاعات أو التي وصلت اليها مؤسسات أخرى سواء وصلت النسب الى حد 100% كما في الادارة العليا لجمارك دبي وبعدد 19 مواطنا و80% للوظائف الإدارية والاشرافية بعدد 47 مواطنا و12 موظفا وافدا يشكلون 20%. وبما ان التوطين استراتيجية بمعنى أنه من أولويات وأساسيات اهتمام الدولة الى أن تتحقق جميع الأهداف, فالأمر بحاجة الى متابعة دقيقة وميدانية في كل مؤسسات القطاع العام والخاص بحيث لا يمر علينا شهر إلا وهناك خبر معين بهذا الخصوص ينشر في وسائل الاعلام ويشرح ويحلل ويتابع طوال أيام السنة. هذا ولقد سمعنا في بدايات هذا العام عن اتجاه لإصدار قرار بالزام شركات التأمين بخطة التوطين, وقد مضى على هذا الخبر الان قرابة الثلاثة أشهر ولم نسمع بعده صوتا أو وقعا عمليا, وجاء هذا الاتجاه عندما قررت وزارة الاقتصاد منذ عدة سنوات نسبة 15% للتوطين في شركات التأمين, إلا ان الشركات لم تلتزم بهذه النسبة, علما بأن نسبة التوطين الحالية في قطاع التأمين بالدولة لا تتعدى 4% وهي أقل النسب في دول مجلس التعاون الخليجي, حيث تبلغ هذه النسبة في سلطنة عمان 80% وفي البحرين 60% وفي السعودية تتراوح ما بين 30% الى 40%. فاذا كان الاتجاه نحو الإلزام هو الحل الأمثل لدى المعنيين بهذا الموضوع وأنه لا مفر منه فما الداعي للتأخير طيلة هذه الأشهر دون ان يصدر القرار حتى لو لم تكن النسبة كما اقرتها وزارة الاقتصاد على وجه التحديد بـ 15% ولكن في نهاية المطاف يجب إقرار نسبة ما, وبالمقارنة مع الدول الخليجية الاخرى فان النسبة المطبقة في الواقع لا تتناسب مع حجم أعمال ونشاطات قطاع التأمين وهو يضاهي قطاع البنوك من حيث الموجودات والإستثمارات والمنتجات. فما هو السبب الرئيسي لعدم متابعة التوطين في قطاع التأمين وغيره من القطاعات وتأتي الفندقة والسياحة في مقدمة هذا الوضع غير المستقيم مع التطور الحقيقي في هذا الجانب الذي سيتم الإعتماد عليه في المستقبل كمورد رئيسي للدخل بالدولة مقابل البترول. ومن خلال متابعتنا لنفس الموضوع في سلطنة عمان وخطتها في التعمين فإنه في الفترة من يناير وحتى مارس من العام الجاري شهدت إقبالا ملحوظا من قبل المواطنين على فرص العمل المتوفرة في شركات ومؤسسات القطاع الخاص. لقد تم خلال فترة الثلاثة الأشهر الأولى من هذا العام تسجيل 6825 مواطنا من طالبي العمل تم توظيف 5592 مواطنا منهم في وظائف مختلفة وبمنشآت متعددة أي ما نسبته 82% من أعداد المسجلين. وهذا المثال من عُمان ضربناه من باب المقايسة والمقاربة في اوضاعنا الاجتماعية والاقتصادية المتشابهة عندما نعاني من هجمة العمالة الأجنبية على الفرص والوظائف المتاحة في السوق المفتوحة والتي نتمنى أن يأتي اليوم الذي تنقلب فيه هذه الهجمة لصالح العمالة الخليجية لنعيد مسيرة التاريخ الاجتماعي للخليج الى دورتها الصحيحة.