نعيش عصرا مختصرا جدا من ناحية التواصل الزمني بين الشعوب والدول بحيث اختلط المحلي بالعالمي والعكس صحيح على وجه العموم, أما التفاصيل فهي متروكة لكل مجتمع على حدة . أعود بكم قليلا الى أيام الدراسة في بريطانيا وكنت في مرحلة اللغة وقد طلب منا كطلبة الكتابة عن موضوع ما لاجراء الحوار حوله بشكل مباشر مع الجميع وترك الاختيار لكل طالب وطالبة دون التدخل في نوعه. فكان اختياري في ذلك الوقت لموضوع البوسنة والهرسك لأنه كان قضية الساعة ومانشيت كل الصحف العالمية والمحلية, وبعد القائي للموضوع فوجئت بسؤال غريب جدا وهو صدمة ثقافية لم أتوقع ان أسمع بها في بريطانيا ومن قبل طلبة في مرحلة الماجستير والدكتوراه, حيث ان كورس اللغة كان لهذا المستوى تحت عنوان (مهارات اللغة الانجليزية) . لقد بادرت احدى الطالبات اليونانيات بالسؤال التالي: البوسنة والهرسك هل هي جزء من دولة الامارات؟ فرددت عليها: انك ابنة أوروبا ولا تعلمين ان البوسنة والهرسك جزء لا يتجزأ من قلب أوروبا! فشرحت لها وللطلبة عن سر اهتمام دولة الامارات بالبوسنة والهرسك سواء من الناحية السياسية أو الاجتماعية, وان الحدود والفواصل لم تفصلنا عن اخواننا في البوسنة وان كانوا ينتمون عرقيا الى الجنس الأوروبي, لأننا نهتم بانسانية الجنس البشري أكثر من اهتماماتنا بالقضايا الجانبية الاخرى. هذا الموضوع صادف طرحه في شهر سبتمبر ,1992 وتدور الأيام لكي نصل الى شهر مارس حيث بداية المأساة الانسانية ايضا انطلاقا من قلب أوروبا في يوغسلافيا, وتعود السيرة من جديد في ,1999 أي بعد ثمانية أعوام وكأن التاريخ المأساوي للأمم سلسلة متكررة في حياة الشعوب التي تحكم بالنار والحديد وليس بمنطق الجدال والحوار البناء. ولم تخرج دولة الامارات عن دائرة الضوء, بل بقيت كذلك في قمة الاهتمام العالمي الذي توج بمبادرة صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة بانشاء مطار آمن لايصال المساعدات الانسانية على وجه السرعة عن طريق الجسر الجوي الذي يصل من هنا الى هناك على مدار الساعة ,وقد اثبت ابن الامارات من خلال جهازه العسكري أومجاله التطوعي انه رجل المستقبل بحق وبالذات عند اشتداد الازمات. ومن أين نستنتج تداخل العالمي في المحلي بالنسبة لكوسوفو على وجه التحديد مع ان هناك قضايا اخرى عملية وحياتية كذلك لها هذا الصدى؟ ولقد وجه سؤال مباشر للفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم عندما كان يحاضر عن القيادة قبل اسابيع وكان حديثه محليا بحتا وموجها الى الدوائر والمؤسسات الحكومية بإمارة دبي, الا ان هذا السؤال كان عن موقف دولة الامارات او السياسة الخارجية لدولة الامارات تجاه ما يحدث في كوسوفو مع ان الموضوع كان بعيدا عن كل تفاصيل تلك الندوة القيمة الا ان سمو الشيخ محمد بادر على الفور بالاجابة عن السؤال قائلا: إننا على استعداد تام ان استدعى الامر لوجود قوات عسكرية من الامارات لاداء كافة الواجبات المطلوبة تجاه اخواننا هناك, ولم تمر أيام قليلة حتى تحققت هذه الاجابة على ارض الواقع هناك ومازلنا نسمع عن مفاخر أبناء الدولة من هناك الى هنا.