في كل زاوية وناحية من هذا المعسكر الواقع شمالي ألبانيا, وسط سلسلة جبلية مازال الجليد يكسو الى الآن قممها, والذي تهب عليه ليلا رياح عاصفة بالغة القسوة تتجسد قصة عطاء تبث الدفء والسكينة في نفوس المشردين الذين فروا من وحشية آلة الحرب الصربية في كوسوفو الى معسكر الامارات في كوكيس, حيث وجدوا الرحمة والتعاطف في صورة قلما يجدها من في مثل حالهم. فما من شك ان المعسكر بما تميز به من خدمات راقية وأسلوب حضاري في التعامل مع اللاجئين, قد أصبح صورة مشرفة لدولة الامارات, ليس فقط على المستوى الرسمي, وإنما ايضا على المستوى الشعبي الانساني, حيث عرف العالم من خلاله طبيعة شعبنا العربي المسلم المعطاء. ورغم الجو العسكري الصارم, حرصت ابنة الامارات على ان تشارك وأن تؤدي دورا ما, دون ان تنتظر شكرا أو عرفانا, اللهم الا رفع اسم الوطن عاليا, وتعريف العالم بقدرة المرأة العربية على تحمل الصعاب والمشاق, طالما اقترنت بعمل انساني. طبيبات مواطنات في المستشفى التابع للمعسكر, مجموعة من الطبيبات والممرضات المواطنات, يعملن بمنتهى الحماس والتفاني, وعلى وجوههن رغم التعب والارهاق, علامات الرضا والايمان, وفي عيونهن رغم مواصلة الليل بالنهار, يلتمع وميض التحدي والاصرار. كلهن فور اعلان القوات المسلحة عن حاجتها لمتطوعات تقدمن بطلب السفر الى كوكيس, مؤمنات بأهمية الرسالة وبجدوى عملهن, وراغبات في ان يكون لهن دور ما في مسح دمعة حارة, أو اعادة ابتسامة فرت. تقول النقيب طبيب علياء صالح البريكي بمستشفى زايد العسكري: كنت في اجازة حج حينما نشبت الازمة, وتواترت الانباء آنذاك عن اعتزام الامارات اقامة معسكر لايواء اللاجئين, ثم عن الحاجة الى طبيبات متطوعات لسد احتياجات المستشفى القائم بالمعسكر, فتقدمت بطلب بالتطوع دون تردد أو خوف, وذلك انطلاقا من ايماني بأن ابنة الامارات يجب ان تشارك وتؤازر جهود الدولة الرسمية قدر استطاعتها في هذا العمل الانساني العظيم. الانتصار بالعمل وتضيف: عندما أتيت الى كوكيس, كنت في بداية الامر متخوفة من التجربة, ولكنني لم أترك للخوف مجالا حتى يسيطر على نفسي ويعرقل محاولاتي لتأدية عملي بما يرضي الله وقواتنا المسلحة وكذلك ضميري. وحتى أتغلب على الخوف وانتصر عليه, انهمكت كلية في العمل ووضعت أمام عيني أمرا واحدا هو ان الخوف الذي أشعر به, لا يقاس بالخوف الذي تعرض له اللاجئون في رحلة العناء العسيرة التي مروا بها. وحول أهم الخدمات التي يقدمها المستشفى تقول: يعتبر المستشفى مركزا رئيسيا لعلاج اللاجئين ليس فقط في مخيم الامارات وإنما ايضا في المخيمين الألماني والايطالي المجاورين, نظرا لاحتوائه على أجهزة تصوير اشعاعي وفحوصات مخبرية من أحدث ما يكون. وتتمثل معظم الحالات التي ترد الى المستشفى في حالات أمراض القلب والسكري وما الى ذلك من الاعراض المرضية المزمنة التي تتطلب متابعة علاجية مستمرة متواصلة. وتؤدي الطبيبات والممرضات العاملات بالمستشفى دورهن بمنتهى الكفاءة وبأسلوب انساني رحيم, نظرا لتعاطفهن مع اللاجئين وشعورهن بالظروف الصعبة التي مروا بها. وتتحدث الدكتورة علياء عن احدى القصص المأساوية التي تعرفت عليها خلال عملها بالمستشفى قائلة: منذ بضعة أيام حضر عجوز في نحو الثمانين من العمر, يصرخ مفزوعا متألما ومنكسرا ومهزوما في آن واحد.. وعندما وقعت الكشف الطبي عليه وجدت آثارا لضرب عنيف تعرض له من جنود الصرب, بينما كان يحاول عبور الحدود. وعندما بدأ هذا المسكين يتماثل للشفاء عرفت بأنه لم يكن يصرخ من شدة الألم فقط, وإنما لأن الصرب قتلوا ابنيه وخطفوا ابنته.. عندئذ لم أتمالك نفسي وبكيت من فرط الأسى. تلبية الدعوة أما النقيب طبيب عائشة سلطان الظاهري فقد تطوعت فور الازمة ايضا, رغم ان هذا التطوع سيؤخر ابتعاثها للولايات المتحدة لاستكمال دراستها العليا, وانه ايضا سيؤثر على تدريبها في تخصص النساء والولادة بمستشفى الكورنيش بأبوظبي. تقول: عندما دعا الفريق الركن طيار سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس أركان القوات المسلحة الطبيبات الى التطوع, شعرت برغبة عارمة في تلبية هذه الدعوة, لما تحمله من معان انسانية راقية. فالمأساة تستوجب ان يتكاتف كل أبناء الامارات ويساهموا بكل قدراتهم من أجل دعم مساعي الدولة للتخفيف عن هؤلاء المساكين المشردين. ومنذ أتيت الى المستشفى وجدت ترحيبا كبيرا من الاخوة والاخوات الذين سبقوني, ورأيت بعيني حجم الدعم الكبير الذي تقدمه الدولة الى اللاجئين, الأمر الذي يدفعني الى القول بأن تجربة معسكر كوكيس, فضلا عن كونها عملا انسانيا متميزا, هي ايضا دليل على توحد الامارات شعبا وقيادة في مجال العمل الخيري. وتشير النقيب عائشة الى ان المستشفى استقبل الآن تسع حالات ولادة تمت بنجاح, ومازالت الامهات والاطفال تحت الرعاية الطبية. غير ان الشيء المؤلم المحزن, ان معظم الحالات التي ترد الى المستشفى لا تعاني من أمراض عضوية بقدرما تعاني من أعراض نفسية ناجمة عن عدم تمكن هؤلاء البسطاء من استيعاب المأساة والاهوال الجسيمة التي تعرضوا اليها. وتتحدث عن علاقة صداقة وطيدة ربطت بينها وبين احدى الطبيبات الكوسوفيات المتطوعات, قائلة: عندما بادرنا بتشغيل المستشفى جاءت هذه الطبيبة بآلية وطلبت منا الموافقة على ان تعاوننا وان نسمح لها بالمساعدة في التخفيف عن ابناء شعبها. ولما وافقنا وبدأت ممارسة العمل روت لي قصة فقدانها لمركزها المرموق وزوجها وأسرتها, فتأثرت بأحزانها, وتفاعلت مع حالتها التي تبدلت من حال الى حال, لأسباب لا يمكن تفسيرها الا في اطار ظلم الانسان للانسان. متقاعدة وتطوعت النقيب فريدة سالمين بن رباع رئيسة التمريض بالمعسكر أصبحت أما لجميع أطفال المعسكر واختا لجميع سيداته, وذلك بفضل ابتسامتها الدائمة وحرصها على ان تقدم الدعم النفسي المعنوي للمترددين على المستشفى, قبل الخدمات العلاجية. وتؤمن النقيب فريدة بأهمية عملها خاصة في ظل المشكلات النفسية الطاحنة التي تعصف باللاجئين في المعسكر, وهي بمجرد سماعها عن فتح باب التطوع توجهت الى القيادة العامة بطلب رغم انها تقاعدت عن العمل منذ سنوات لكن الامر على حد تعبيرها كان يستلزم اتخاذ قرار سريع وجريء, لتأكيد موقف الامارات كدولة مؤمنة بالسلم فعلاً وقولاً, حكومة وشعباً. وتحكي عن اقسى تجربة انسانية مرت بها في المعسكر قائلة: نقلت لنا سيارات الاسعاف امرأة في حالة يرثى لها, تهذي وتولول وتبكي, وفي وضع هيستيري.. وبعد اعطائها المهدئات والعلاج ومعالجتها من طلق ناري كان قد اصابها خلال رحلة الهرب من جحيم زبانية ميلوسيفيتش, بدأت تروي قصتها, فقد قتل الصرب ابناءها الاربعة وزوجها على مرآها ومسمعها, والاكثر من ذلك ان الاطباء في مدينة كوكيس قبيل ارسالها لمستشفى المعسكر, شخصوا حالة الغيبوبة التي كانت تعانيها, على انها وفاة, ومن ثم وضعوها في عربة الموتى لدفنها, لكنها انتفضت فزعاً في هذه الاثناء.. وهكذا عادت من الموت الى الحياة.. ولكن اي حياة, حياة الشقاء والثكل والوحدة؟ علاقات وثيقة اما فاطمة حمزة التي تعمل ممرضة بمستشفى زايد العسكري فتؤكد ان عملها في المعسكر رغم مصاعبه يتميز بأنه ذو طابع انساني, الى درجة ان المرضى اصبحوا يرتبطون بعلاقات وثيقة مع جميع افراد الفريق الطبي بالمستشفى. وتقول: كنت اسمع عن تطوع الرجال بالسفر فتمنيت اتاحة الفرصة للنساء, ولما وجهت القوات المسلحة الدعوة, لم اتردد ووجدت من اهلي تشجيعاً كبيراً, رغم مخاوفهم من سفري الى هذه المنطقة البعيدة غير الآمنة. وتوضح ان المستشفى يعالج العديد من الامراض التي تشمل على العمليات الجراحية البسيطة وتجبير الكسور وبعض الحالات الباطنية والنفسية.. ويقدم علاجاً طبياً متميزاً ومتكاملاً لحالات بالغة الدقة, بما فيها سرطان الثدي. وتدعو ابناء وبنات الامارات الى التطوع بالسفر الى المعسكر لخدمة مساعيه نحو التخفيف عن اللاجئين, والى قيام القادرين بالتبرع المادي لدعم جهود الدولة على صعيد توفير المساعدات الطبية والانسانية. وتشير الممرضة عوشة بلال المهيري الى انها اصرت على التطوع بالمعسكر, وعندما وصلت ورأت علم الامارات مرفوعاً خفاقاً شعرت بالامان والاطمئنان, وادركت ان تطوعها كان عملاً في محله. معاملة متساوية وتقول: من ابرز الامور التي يهتم المستشفى بها ان يساوي في المعاملة بين جميع المرضى, الى درجة اننا نعالج مريضة نفسية (صربية) كان جنود الصرب قد ضربوها وطردوها مع الالبان لانها دافعت عنهم. وحقيقة الامر ان هذه المريضة تستحق تعاطفاً كبيراً لانها استطاعت ان تعلن قولة حق في وجه سلطان ظالم, وضحت من اجل معتقداتها وضميرها بالامن والوطن. وتوضح سميرة عيد عبيد الممرضة بالمستشفى ان الطبيبات والممرضات يقمن بتأدية واجباتهن على مدار الاربع وعشرين ساعة, وان المواطنات العاملات بالمعسكر يشاركن ايضاً في اعمال توزيع المساعدات والاتصال بالمستشفيات الاخرى لارسال الحالات التي تستدعي علاجاً مكثفاً, بالاضافة الى دورهن في مجال مسامرة المرضى والتحدث معهم للتخفيف عن آلامهم. صعوبات لغوية وتتحدث مريم مبارك البلوشي (ممرضة) عن اكبر المصاعب التي تعترض الفريق الطبي قائلة, انها تتمثل في عدم معرفة اللاجئين بالعربية او الانجليزية, غير ان التغلب على هذا الامر قد تم بتوفير مترجم ألباني يتقن العربية. وتضيف: في العمل ينقضي اليوم بأكمله, فالضغط على خدمات المستشفى كبير جداً, نظراً لسوء التغذية ورحلة الهرب الشاقة التي تعرض اللاجئون لها, قبيل وصولهم الى المستشفى.. غير ان المستشفى لا يستقبل حالات مصابة بأمراض سارية نظراً لقيام القائمين على المعسكر بتوفير كافة وسائل الراحة والغذاء النظيف الآمن, وهو الامر الذي جعل معسكر الامارات للاجئين الافضل بين جميع المعسكرات المماثلة. رسالة كوكيس: محمد مصطفى موسى