نستثني من هذا العموم في وضع المساجد, بعض المساجد الاهلية التي يشرف عليها أصحابها بصفة مباشرة بعيدة عن أعين الاوقاف المغمضة عن رؤية المطلوب رؤيته ثم تصحيحه . بعض المساجد الاهلية الخاصة يود المصلي ألا يفارق صحنها ما دام كل ما فيها يزداد لمعانا وبريقا ونظافة وبشكل يومي, وهذا واضح جدا ابتداء من ثياب الإمام الى الجدران والحيطان ونوافذ المسجد وممراته وكافة المرافق الاخرى, والاوقاف تعلم هذا جيدا ولكنها تتعامل مع هذه المساجد الخاصة وكأنها لا تراها أو ليست جزءا منها, الا اذا زاد الامام في خطبته دقيقة أو دقيقتين طولا أو نقصانا, أو قرأ سطرين أو ثلاثة مما لا يوجد في الورقة التي يحملها خطيب الجمعة كلما علا المنبر, وقد لا تتغير هذه الورقة لسنوات طوال وتكون أقرب الى ما أكلته الرمة. رب العالمين طلب منا التزين بأحسن الثياب والعطور والروائح عندما نتوجه الى الصلاة في قوله تعالى: (خذوا زينتكم عند كل مسجد) ولا يعقل ان نتزين للمساجد وتأبى هي أو لا تجد وسائل التزيين لضيوف الرحمن فيها. ترى ماذا ينقص مساجدنا لأداء واجبها تجاه روادها من المصلين كبارا كانوا أم صغارا, نساء كن أم فتيات صغيرات, لا نريد ان نبالغ في القول ونتحمس للبعض الذي يريد ان تعود المساجد الى سابق عهدها في اعداد القادة والمصلين وتجهيز الجيوش واستقبال الضيوف والفندقة والراحة و... و... الخ. فزماننا غير ذلك الزمان, فلقد تخصصت المؤسسات لأداء الواجبات الفرعية لكل تخصص على حدة ولا نريد ان نخلط أوراق المساجد بأوراق التربية والتعليم والدفاع والداخلية والسياحة, فلكل مجاله ومكانه وفق سيرة المجتمع المدني المعاصر. لذا ما نريده هو أبسط من كل ذلك لأن مساجدنا في هذا الظرف أعجز ان تقوم بواجباتها الضيقة, فلو وسعنا عليها أكثر من اللازم لأغلقت أبوابها لأنها لن تجد روادا وهي في هذه الحالة البعيدة عن متطلبات الحياة اليومية, فمن هنا نركز على دورها العبادي ونترك الادوار الاخرى للمؤسسات الاخرى, فلو استطاعت ادارات الاوقاف تحسين خدماتها فقط للمصلين, نقول لها يكفيك هذا, ولكن الى الآن هي في ذيل قافلة التطوير مقارنة بمثيلاتها من المؤسسات التي تسابق الريح في خطاها. فلن نحمل الاوقاف فوق طاقتها لأن طاقمها الموجود حاليا مقاسه لا يتفق أبدا ولو من ناحية الشكل مع موجة التطوير الطاغية على كل جزئيات الحياة, فعليه نحن أقرب الى الشفقة عليها من الضغط عليها الا فيما هو من صميم عملها الدقيق وليس إلا.