حتى يصل المريض المحتاج الى غرفة العناية المركزة, هذا الأمر وحده يشكو من المعاناة عندما تتأخر إجراءات الدخول الى هذا المكان . أحيانا عدم الوصول الى قناعة تامة من قبل المسؤولين عن هذا الاجراء يأخذ وقتا طويلا في الجدال والأخذ والرد في ساعة لاتحتمل الا اتخاذ القرار وليس الاختلاف على التوقيت. تقف سيارة الإسعاف خارج المستشفى وينقل المريض بالجلطة الدماغية أو السكتة القلبية إلى أحد ممرات الغرف ويترك حتى يتأكد رجل العلاقات العامة من أن الملفات كاملة والأوراق مكتملة والتواقيع مختومة والأوامر صادرة من الإدارة العليا وو... الخ. وتجد أفراد العائلة يلهثون من الجري في أروقة المستشفى ساعة عند الممرضة وأخرى عند الطبيب المناوب وثالثة عند المسؤول الاداري ورابعة عند الواقف على رأس المريض وقد لا يخرج القرار الى الوجود وحيز التنفيذ إلا بعد خروج روح المريض وصعودها إلى من هو أرحم به من جميع هؤلاء. يصل الأمر في بعض الحالات أن يترجى بعض أهل المريض وهو يبكي لانقاذ أمه أو جدته أو أبيه بأسرع وقت ممكن إلا أن الدموع المظلومة يجب أن تجف في المآقي لانها لا تجدي فتيلا ولا تحل إشكالا. من هذا يتضح ان البيئة الصحية لبعض مستشفياتنا غير صحية من الناحية النفسية والاجتماعية, لأن المريض بصفة عامة لا يشعر فيها بالأمن النفسي أو بالاطمئنان القلبي ابتداء عندما تبدأ معه إجراءات العلاج الروتينية في كل مرة يراجع فيها المستشفى لإجراء اللازم حسب البرنامج المعد لذلك. ان احساس المريض بأنه يضيع وقته من كثرة المراجعات والاضطرار الى اللجوء للقطاع الخاص في كل مرة يتعرض فيها لوعكة صحية عادية أو طارئة يتمنى من خلالها ألا يعود الى المستشفى الذي يتلقى فيه العلاج الدوري. هنا يتعمق في نفسية المريض بأنه بمجرد التفكير في العلاج هناك يزداد مرضه ويقل حماسه ويتعمد عدم تلبية نداء الموعد المحدد أو حتى الرضوخ للضرورات الطارئة لولا إصرار الأهل واجبارهم له للدخول الى ذلك المكان الذي يصور له نهاية محتومة لحياته, هذا النوع من الشعور او هذا الموقف لابد أن يلفت نظر المسؤولين عن الصحة العامة بالدولة سواء في الوزارة أو الدوائر الصحية المحلية. هناك فراغ كبير بين علاقة المريض بالطبيب وكل طاقم العاملين معه والعكس صحيح ولا توجد الى الان دراسات ميدانية أجريت لتوضيح هذه الحقائق التي نلمسها في الواقع ولانجد لها صدى لدى بعض المسؤولين المعنيين بهذا الأمر. الطبيب وطاقمه عندنا يصب جل اهتمامه في البحث عن الوصفات الطبية وإعدادها وفق الشروط الادارية للجهة التي يعمل بها ويحاول جاهدا الا يخالف اللوائح والانظمة من الناحية الحرفية, فيستخدم لغة التهديد المبطن أحيانا إذا لجأ المريض إلى السؤال عن انواع من العلاج أو وصفات سمع عنها في بريطانيا أو المانيا أو أمريكا من أقرانه المرضى الذين تم علاجهم في تلك البلدان, فيحاول جاهدا التغطية على أن ما قاموا به هناك عبارة عن تجارب لم تثبت صحتها من الناحية العلمية وهي بحاجة الى وقت طويل لضمان النجاح فيها ويسوق على ذلك مبررات لاحصر لها فقط لإثبات أنه على حق والآخرين على باطل والمريض طبعا بين هذا الحق والباطل يعيش غصبا عنه ظلمات الجهل وان كان حاصلا على أرقى الشهادات العلمية, من لهؤلاء الذين لم يتخطوا عتبة الدار في معرفة الطب وعلومه ؟ وهم يظنون أنهم يعرفون ويعرفون ولكنهم لايستطيعون إقناع مرضاهم بذلك.