أشكر وزير التربية والتعليم تنظيمه لهذا اللقاء بغرض مناقشة رؤية التعليم حتى العام 2020. وقد استمتعت جدا وأنا أقرأ الرؤية بين دفتي الكتاب الذي وصلني من معاليه قبل أيام . وذهب بي الخيال بعيدا إلى العام ,2020 ورأيت نفسي في (مدينة التعليم الفاضلة) .. معلمون من حملة المؤهلات العليا الجامعية التربوية.. مدراء مدارس من حملة المؤهلات العليا نصفهم على الأقل يحملون الماجستير والدكتوراه.. 90% من كادر التعليم مواطنون.. أبنية مدرسية مناسبة.. حاسوب على مقعد كل طالب.. مكتبة عصرية في كل مدرسة.. القضاء على الأمية تماماً.. وعلى التسرب.. وعلى السلوكيات الشاذة لشريحة واسعة من الطلاب. ورأيت أفواجاً جديدة من أبناء وطني تتخرج من المدارس.. واثقة بنفسها.. مسلحة بتعليم عصري.. معتزة بتراثها وانتمائها الوطني. ورأيت مجتمعا متفاعلا مع التعليم.. يعلي القيمة الاجتماعية لوظيفة المدرس.. ويساهم في التمويل. نعم أيها الاخوة.. إنها رؤية (مدينة التعليم الفاضلة) .. انها رؤية الطموح إلى الأفضل والأكمل.. وهي تنطوي على اعادة صياغة العملية التعليمية من ألفها إلى يائها.. وهذه هي المرة الأولى التي تحدث فيها مقاربة جذرية لقضية التعليم في بلادنا. وإذا كانت مهمات التعليم في سنوات ما بعد قيام الاتحاد قد وضعت هدفا أوليا وساميا, وهو نشر التعليم, لان البدايات كانت تقريباً من نقطة الصفر,.. فإن هدف نشر التعليم سيظل قائما وملازما للعمل التربوي. وكما تعلمون, تطلبت عملية نشر التعليم جهودا ضخمة وامكانيات أضخم, وشهدت السنوات العشر أو الخمس عشرة من عمر الاتحاد انجازات كبرى في هذا المجال. كما شهدت محاولات مخلصة لتطوير محتوى التعليم وطرق التدريس, أصابت النجاح في مجالات ومنيت بالفشل في مجالات أخرى. ومن أبرز ما سجلته محاولات تطوير التعليم, تقلب سياسات التعليم تبعا لرؤى وأفكار القائمين عليه, وكان ذلك واضحا منذ مطلع الثمانينات. هذا توصيف لواقع عشناه, وليس محاكمة لمحاولات التطوير. وأحسب ان مشاكل التعليم الحالية تعود في بعض أسبابها إلى تقلب سياسات ورؤى التعليم. الآن ونحن أمام عملية تطوير جديدة وجذرية, علينا ان نحرر التعليم من تقلبات السياسات والرؤى.. وذلك باحالة عملية التطوير برمتها إلى المجتمع كله ومن دون استثناء أي من فعالياته.. وصولا إلى بلورة رؤية يجمع عليها مجتمع الامارات.. وتتوفر لها الحمايتان الرسمية والمجتمعية, فلا تتعرض لما تعرضت له محاولات التطوير السابقة. لذلكت أتمنى على وزير التربية أن يكثر هذه اللقاءات.. وان يتوجها بمؤتمر قومي يعد له اعدادا جيدا وتشارك فيه الفعاليات المواطنة ذات العلاقة.. والخبراء المشهود لهم.. وذلك تحقيقا لقول معاليه بأن قرار التعليم لا يجب أن يترك للتربويين وحدهم. إن التبني المجتمعي لرؤية التعليم شرط ضروري لوضع الرؤية موضع التطبيق.. والا أصابها ما أصاب محاولات التطوير في بعض البلدان العربية والتي أشار إليها الوزير في مقدمته.. وأعني قوله (التوقف عند مستوى الوثائق والتمنيات والمشروعات التي لم تجد وسائل للتنفيذ) . ثم ان التوافق الاجتماعي العام حول رؤية التعليم ضروري لان الرؤية تلقي أعباء كبيرة على المجتمع.. أعباء المشاركة في التمويل والمتابعة والتفاعل المستمر. كما ان التوافق الاجتماعي ضروري لكي لا تتحول الرؤية إلى (مشروع اختلافي) له مؤيدوه وخصومه.. كما حدث في محاولات تطوير سابقة. وأنتم تعلمون ان اختلافا مجتمعيا حول قضية استراتيجية تتصل بالتعليم سيضعف هذه القضية.. ويدفع بالكثيرين (ممن يؤثرون السلامة) إلى اتخاذ موقف الحياد.. مما سيقلل من التفاعل المأمول مع متطلبات تطوير التعليم. وتشير الرؤية بوضوح إلى اعادة هيكلة وزارة التربية والتعليم. وهذا أمر ضروري عند تحديد استراتيجية جديدة للتعليم. وهنا لابد من السؤال حول الموارد البشرية المتاحة من داخل هيكل الوزارة الحالي.. ونسبة العاملين القابلين للتفاعل مع الرؤية والاستجابة لمتطلباتها وبرامجها المحددة. كذلك.. لابد من التساؤل حول الموارد البشرية المستهدفة خلال العشرين سنة المقبلة. كيف سيتم توفير كادر المعلمين المواطنين المؤهلين جامعيا.. بينما عدد المدرسين الذكور حاليا لا يصل 1000 مدرس؟! كيف سيتم جذب الموارد البشرية المواطنة؟ ما هي الحوافز المادية والمعنوية؟ أسئلة تحتاج إلى اجابات عملية قبل أي شيء آخر. ملاحظة أخرى: أشارت الرؤية إلى انه ستتم مراجعة الانفاق العام في قطاع التعليم بغرض ترشيده. حسنا.. ولكن ما هو الوضع المالي للوزارة؟ وتحديدا.. هل نفقات التعليم كافية؟ تشير الرؤية إلى تزايد الانفاق على التعليم بدرجات ملحوظة خلال السنوات القليلة الماضية, وبلوغه 17-18% من الموازنة العامة. هذا توصيف لواقع الانفاق.. لكن هل ان مخصصات التعليم في الميزانية كافية؟ وهل هذه المخصصات تكفي لتلبية الاحتياجات الملحة الحالية من مبان مدرسية ومتطلبات أخرى؟ حسب المعلومات والأرقام المتوفرة, فإن الحكم على نفقات التعليم يكون بقراءة نسبته إلى الناتج القومي العام وليس إلى الميزانية. وبالنسبة لنا في الامارات فإن هذه النسبة متواضعة جدا, وهي أقل منها قياسا ببعض دول لا تملك موارد مالية كما نملك. عضو المجلس الوطني الاتحادي