قلنا بأن هناك ضرورة ملحة لوجود رجل الأمن الصحي من أجل نقل صورة صادقة عما يجري في هذه الغرفة من تجاوزات خطيرة يصعب اثباتها بالأوراق أو حتى المشاهدة , هذا إذا علمنا بعض تفاصيل الأسباب الحقيقية لدخول المرضى الى هذا القسم وعلى أسباب غير منطقية يصعب على العقل السليم إدراكها واذا سمع بها المجنون لا محال أن يشفى من جنونه فقط للرد على تلك الأسباب وعلى الطبيب المختص ودحضها جملة وتفصيلا. يتعرض المريض في هذا القسم الى كثير من الأذى فوق ما يعانيه وفوق احتماله لذا يضطر الطبيب الى وضعه تحت (البنج) أو التخدير الكامل حتى يفعل به كل شيء مما يخطر على البال, أو لا يخطر طبعا, تحت ضغط حاجة العناية المركزة الى كافة الإحتياطات اللازمة وخوف أهل المريض من المضاعفات والمفاجآت والحالات الطارئة يسلمون أمرهم لهذا القسم وما حوى وأعينهم شاخصة نحو السماء يرجون رحمة الباري وتدخله المباشر لأن الوضع وصل فوق احتمال صبر البشر المعتاد, وهذا هو الأسلوب الذي يتم اتباعه لمن يملك ذرة من الإيمان في قلبه, ويتم أحيانا استغلال هذه الذرة المتبقية لتحرير عجز الطبيب عن اتخاذ أفضل الأساليب المتبعة في مثل هذه الظروف الصعبة على الجميع. ماذا يمكن أن يحدث لهذا المريض أثناء العلاج الطارىء, وتحت كافة الظروف التي نتوقعها على وجه الدقة؟ يفترض بصاحب المرض الواحد أن يبقى محتفظا بمرضه إن لم يتم علاجه, ولكن الواقع الذي يقع هنا في تكالب مجموعة من الأمراض عليه وهو لم يكن يشتكى منها ولا يوجد لها أثر في تقاريره الطبية الدورية. المريض بالقلب الذي يعالج وفق نظام دقيق وعناية تامة من قبل المختص, عندما يدخل الى هذه الغرفة المرعبة ينتهى به المقام بالسكري والفشل الكلوي والضغط المرتفع جدا وصعوبة التنفس إلا عن طريق الأجهزة, الى الوصول لدرجة الغيبوبة الجزئية أو التامة ولا يعرف هذا التحديد إلا بعد مدة طويلة من العلاج. سألت عن أحد المرضى بعد أن تيقنت بأنه ذو صفة قرابة لي, فقيل لي عن قصته دون ان أجد فيها سببا واحدا لوجوده الان في غيبوبة تامة قرابة السنة, فقد جاء بنفسه الى المستشفى لا يشكو بأسا سوى العلاج الدودي وبعد إجراء عملية المنظار له دخل في غيبوبته تلك, فما السر يا ترى؟ ويفاجأ أهله عن طريق الهاتف بأن صاحبهم هذا قد غاب عن الوجود ولا يوجد سبب غير التذرع بعملية المنظار التي أقرب الى الإطمئنان عن المريض منه الى الوصول به للغيبوبة التامة. وأعرف من أدت به عملية المنظار هذه الى الوفاة مباشرة دون معرفة السبب المباشر وهو في ريعان الشباب ولا يشكو مرضا عضالا أو علة مستحكمة, ولم يسعفه الأجل للدخول الى العناية المركزة من الأصل لعل رحمة الله كانت أرحم له من عذاب هذه الغرفة لو عاش فيها زمنا. أما الأشد من كل هذا هو نظرة بعض العاملين في هذا القسم الى هؤلاء المرضى على أساس أنهم عبء عليهم ويتمنون الساعة التي يغادرون فيها الى مثواهم الأخير, ويتصرفون بطرق ملتوية وسيئة تدل من قريب أو بعيد أنهم ليسوا على استعداد لمساعدة هؤلاء على الشفاء أو حتى اعطائهم الأمل نظريا للحياة. فكيف يمكن لهذا المريض أن يدافع عن حقوقه المغتصبة, في مكان يرتفع فيه صوت الحقوق وجوبا وضرورة قصوى, فهل لهؤلاء من نصير أو معين, أم أن الحبل للاصحاء في هذا القسم ماض على الجرار في غياب رجل الأمن الصحي عن هذا المكان الذي غيبت فيه العناية المركزة.