رعاية المسنين في العام الحالي سوف تأخذ شكلا عالمياً في اطار ما اعلنته منظمة الصحة العالمية عن اعتبار هذا العام سنة دولية للمسنين تحت شعارمواصلة المسنين لنشاطاتهم ضمان لصحتهم . وفي ظل احصائية تقول ان عشرين بالمئة من سكان الامارات هم من المسنين فإن الاهتمام بهذه الفئة قد سبق بسنوات طويلة ما دعت اليه المنظمة العالمية, وهذا الاهتمام تجسده دور الرعاية التي تنتشر في كثير من امارات الدولة. ومن المؤكد ان الكثيرين لا يعرفون ان الفجيرة كانت قبل 19 عاما احدى المدن التي اقيمت على ارضها دار لرعاية المسنين لم تستمر طويلا اذ تم اغلاقها بسبب عدم انضمام اي مواطن اليها. وحين طرحت (البيان) وبمناسبة السنة الدولية للمسنين فكرة اعادة افتتاح دار للرعاية تباينت الاراء بين مؤيد ومعارض ولكل اسبابه الوجيهة والمقنعة, وهذا ما نرصده في التحقيق التالي: في البداية نطرح رأياً وسطياً بين التأييد والتحفظ يقدمه علي مبارك بن عباد مدير فرع المصرف المركزي ورئيس لجنة صندوق الزواج بالفجيرة يقول فيه: إنني أؤيد الاهتمام برعاية المسنين في كافة امور حياتهم باعتبارهم الجيل الذي قدم كل ما عنده وفي ظروف معيشية صعبة من اجل ان تستمر الحياة وتجني الاجيال ثمرة جهودهم, لكن التفكير في جعل دار المسنين هو الواحة المنشودة لهؤلاء امر له محاذير كثيرة منها اننا قد نشجع الشباب على ترك امور ابائهم لهذه الدار.. وبالتالي الانصراف عن رعايتهم تلك الرعاية الواجبة عليهم بحكم الدين والعادات والتقاليد. ويضيف ابن عباد: لكننا رغم ذلك لا نستطيع ان نحرم بعض الآباء ممن فقدوا الابناء والاهل والاقارب من حياة آمنة مستقرة في اجواء طبيعية تتوافر فيها الرعاية الصحية والمعيشية. التوعية أولاً ويرى ابن عباد ان توعية افراد المجتمع بواجباتهم نحو المسنين يجب ان تسبق اية خطوة لانشاء مركز في الفجيرة, بحيث يتوصل كل الابناء ومن مختلف الاجيال الى حقيقة ان رعاية المسن واجب انساني لا يقتصر على ذوي القربى بل يمتد لكل من يعيش هذه المرحلة الصعبة. وترفض روية سيف سلطان مسؤولة التثقيف الصحي بمستشفى الفجيرة فكرة احياء دار المسنين وتقول ان الرفض له مبرراته المستمدة اولاً من ديننا الحنيف الذي يأمرنا ببر الوالدين وحسن معاملتهما خاصة اذا بلغا من الكبر عتيا, كما ان الدين اوصانا بوصل الرحم علاوة على ان عاداتنا وتقاليدنا لا تزال حية في النفوس وهي توصي كل فرد برعاية ابويه رعاية كاملة مهما كلفه ذلك من جهد ومال ومهما كانت مسؤولياته وأعبائه. وتشدد روية سلطان على الرفض بقولها: انني ضد مبدأ فرض العزلة على كبار السن الأصحاء او المرضى وأرى في وجودهم في دار خاصة بهم نوعاً من العزل الذي يصيب نفسياتهم بآلام يصعب القضاء عليها. الملتقيات بديل جيد وتعرض مسؤولة التثقيف الصحي بالفجيرة البدائل فتقول: ان المسن الذي يحتاج لرعاية صحية سوف يجدها في المستشفى, وتبقى هنا أهمية الرعاية الاجتماعية التي يمكن تحقيقها بواسطة ملتقيات شهرية وزيارات دورية, بل انني اطالب بتنظيم قوافل صحية لرعاية المسنين في بيوتهم الى جانب قيامها بتوعية الاهل بطرق التعامل مع هذه المرحلة السنية وفقاً لظروفها. وتضيف: لا بد لي من الاشارة الى وجود مسنين في مستشفى الفجيرة عددهم حتى الآن اربعة فقط هم رجلان وامرأتان, وقد أدخلوا الى المستشفى لظروف صحية بالغة الصعوبة فالرجلان يقيمان هنا منذ خمس سنوات بسبب احتياجهما الى اجهزة تنفس صناعية لا تتوفر الا في المستشفى, والملفت للنظر ان الابناء حريصون على زيارة الآباء والامهات بشكل دوري ومتكرر بل ان بعضهم قد خصص مرافقاً دائماً ليكون في صحبتهم وخدمتهم وقضاء احتياجاتهم, وهذا يعزز رأينا في التحفظ على قيام دار للمسنين لان مجتمعنا لا يزال بخير ويرعى كبار السن فيه. شروط انضمام المسن للدار اما ليلى حسن محمد الاخصائية الاجتماعية بمستشفى الفجيرة فتقول من المهم التأكيد على ان قيام دار تجمع كبار السن وترعاهم هو امر قد تفرضه الظروف في بعض الاحيان, لكن الاهم ان يكون انضمام المسن الى هذه الدار وفقاً لشروط منها الا يكون هناك اقارب على الاطلاق لمن يرغب في الالتحاق بالدار وان يتم التأكد من ذلك بواسطة بحث شامل وحقيقي حتى لا نجعل من هذه الدار ملجأ لكل راغب في التخلص من اعباء كبار السن بشكل طبيعي ومشروع, وهذه الشروط هي وسيلتنا الاولى في الحفاظ على تقاليدنا وعاداتنا الموروثة والتي ترى في رعاية الكبار واجباً ملزماً وضرورة دينية لا يمكن التغاضي عنها. التماسك سبب للمعارضة وينضم الى قائمة المعارضين لقيام دار للمسنين في الفجيرة احمد محمد الخديم مدير مركز رعاية المعاقين ليقول: لن تجد الفكرة قبولاً في اوساط مجتمعنا المعروف بتماسكه الاسري وتواصل العلاقات بين اجياله, لكن هذا لا يمنع من التفكير في تحريك المجتمع بالوعي والمعرفة للاسهام في برامج تقدم للمسنين تكون تعبيراً عن مسؤولية الجميع تجاه الآباء والاجداد الذين قدموا الكثير من اجلنا جميعاً. ناد اجتماعي وترى موزة سعيد هلال (أخصائية اجتماعية) ضرورة وجود ما يشبه النادي الاجتماعي للمسنين الذي يتيح لهم الالتقاء فيه مع اقرانهم, ومع الاجيال الجديدة, فاللقاء بين المسنين بعضهم البعض فيه تجديد للذكريات الحلوة, ولقاؤهم مع الابناء والاحفاد فيه تواصل بين الاجيال وتناقل للخبرات واشعار باستمرار الحياة مما يضمن الصحة فيتحقق شعار السنة الدولية للمسنين. وتضيف موزة: واذا لم يكن مشروع النادي ممكنا فإن اقامة مقهى شعبي للمسنين قد يكون بديلاً جيداً ويوفر ايضاً اجواء مفتوحة تشعر مرتاديها بالحياة والتواصل. ملتقى لجمع التراث الشفهي وتؤيد آمنة حسن الحمادي (مدرسة تنمية فكرية) فكرة انشاء مكان يكون هو الملتقى الاسبوعي او الشهري للمسنين مما يتيح لابناء الاجيال الحاضرة الفرصة للتعرف على تراثهم من خلال زيارات ولقاءات سوف تثمر بلا شك عن قيام حركة لجمع التراث الشفهي الذي يختزنه الشواب في ذاكرتهم, وهذا بدوره يشكل مكسباً كبيراً سوف يسهم في الحفاظ على موروثنا, ونقله الى الاجيال المقبلة بشكل موفق. الرفض دليل صحة المجتمع وتعتبر بدرية الكعبي مسألة رفض الفكرة المطروحة دليلاً على صحة الاوضاع الاجتماعية في المنطقة لان ذلك يعني في المقام الاول ان جيل الابناء لا يزال متمسكاً بأصالته.. وبالتالي محافظاً على اداء واجبه تجاه الشواب الذين نرى فيهم رمزاً للخير والبركة فهم اهل الحكمة والخبرة والتجربة مثلما كانوا اهل العطاء واصل الانتماء. وحين ننتقل الى مؤيدي الفكرة يبادر علي احمد جلال (رئيس قسم العلاقات العامة بمركز المعاقين في الفجيرة) الى طرح تصوره حولها فيقول: من حسن حظ مجتمعنا ان الترابط لا يزال قائماً, والخروج عن القواعد المألوفة لا يزال امراً مستهجناً, وهذا يشجع على قيام دار للمسنين لان من سيلتحقون بها سيكونون ممن تستحق ظروفهم ذلك بسبب ابتعاد الابناء في مواقع عملهم خارج المنطقة, او ظروف الوحدة التامة وهذا امر لا يمكن النقاش فيه, اما غير ذلك فلا اظن ان احدا سيجرؤ على التخلص من ابيه بوضعه في الدار كما يحدث في بعض المسلسلات والافلام العربية والاجنبية. المسنون.. منتجون ونستمع الى رأي مؤيد آخر هو احمد الحميدي مدير المشتريات بمخازن حكومة الفجيرة يقول فيه: بالفعل نحن لا نخشى من الآثار السلبية لقيام هذه الدار لان العادات تحكمنا واوامر ديننا تتحكم في كل تصرفاتنا لهذا يجب الا نمانع في انشائها لتخدم اصحاب الحاجة والظروف فهذا افضل لهم من الاقامة في مستشفى أو طرق ابواب الآخرين طلبا للايواء خاصة وان دولتنا والحمد لله وفي ظل قيادتنا الرشيدة تعمل دائماً على صون كرامة الانسان في كل مراحل حياته, ومرحلة الكبر تعتبر من اهم المحطات في حياة الفرد, وكل انسان سوف يمر بها وعليه ان يضع ذلك دائماً في اعتباره في كل تصرف يقدم عليه, بل اني ارى ان هذا الامر اي ترك كبار السن بلا رعاية معدوم تماماً في مجتمعنا هنا. ويفسر الحميدي بعض ما اشار اليه فيقول:ان كبار السن من اهلنا هنا ليسوا عجزة او عالة على احد لأنه باستثناء المرضى منهم فإن اي فرد منا نحن جيل الشباب باستطاعته ان يرى جهود كبار السن فهم حتى في هذه المرحلة الصعبة لا يزالون على سابق عهدهم, ويمارسون حياتهم بشكل طبيعي, وهم فئة منتجة بشكل جاد ويمكن رؤيتهم على الطبيعة وهم في وسط المزارع او بصحبة شباك الصياد في عرض البحر ولهذا فإنهم يحتاجون الى مكان يجمعهم معاً وتكون الصدارة في المجالس لهم لتتعلم الاجيال وتستمد الخبرة منهم. التأييد.. امان للغد ويختتم سعيد سالم سعيد الدبس (المفتش الاول بمكتب وزارة العمل والشؤون الاجتماعية بالفجيرة هذه الآراء بقوله: ان كثرة المعارضين للفكرة او المتحفظين عليها تؤكد ان مجتمعنا بخير, واذا كنت اؤيد الآن اعادة افتتاح دار للمسنين بالفجيرة فإن هذا يستند الى رغبة مخلصة في ان يشعر الجميع بالامان لان وجود مكان يحيط الانسان بالرعاية الصحية او الاجتماعية يحقق له استقرارا معنوياً حتى ولو كانت الظروف المحيطة به عادية ولا تستوجب القلق يجعل الفرد اكثر اطمئناناً على غده حتى لو كان ابناؤه وأهله وأقاربه يحيطون به اليوم فإن ظروف العصر والسعي للمعيشة تجعل التقلبات واردة ونحن بحاجة لمن يحمي هؤلاء من اية تقلبات. ويضيف الدبس: لقد عشت بنفسي وقبل 19 عاماً تجربة افتتاح واغلاق دار المسنين بالفجيرة عندما كانت في موقعها آنذاك قرب اتصالات القديمة وما أزال مقتنعاً بأن مجتمعنا يرفض التخلي عن كبار السن مهما كانت الاسباب, لكن هذا لا يمنع من الدعوة والمطالبة بوجود دار لرعاية هؤلاء. تحقيق: محمود علام