ترى ماذا ينقص غرف العناية المركزة في بعض مستشفياتنا حتى تؤدي دورها كما ينبغي وليس كما هو واقع أقرب الى المأساة منه الى المواساة ؟!! المطلوب لهذا القسم وعلى وجه السرعة رجل الأمن الصحي, نسمع في أدبيات المخابرات عن رجل الأمن السياسي والاجتماعي والاقتصادي, ولكن الحاجة الى رجل الأمن الصحي لم يتطرق اليها احد بعد وفق ما لدينا من معرفة, فهل بالامكان التعامل مع هذا الوضع الجديد لانقاذ ما يمكن انقاذه من أرواح المرضى التي ترتفع الى مولاها لأسباب لا تقبلها العقول العاقلة ومبررات مرفوضة أمام مسلّمات العلوم الطبية المعروفة والمتداولة لدى العامة قبل أهل الاختصاص. نحتاج في هذه الغرف المقفلة أو البعيدة عن روتين الزيارة كبقية الاقسام الاخرى الى عين رقيبة تملك درجات من الحياد الموضوعي فائقة الدقة وتكون موضع ثقة الادارة العامة لهذه المستشفيات تنقل الى المعنيين تفاصيل الحياة الدقيقة على مدار الساعة عن العاملين في هذه الأقسام ابتداء من الاخصائيين الى عمال النظافة من ناحية التعامل الانساني سواء في سبل العلاج المتبعة أو أساليب التعامل مع جميع المرضى سواء كانوا في وعيهم أو في غيبوبة. نطالب برجل الأمن الصحي لأن حديث الاهالي والمراجعين لدى ادارات هذه المستشفيات ابتداء مرفوض التصديق به, لأن بعض القائمين على الشأن الطبي في الدولة يؤمنون ابتداء بأن الاصل في المريض وأهله وزواره عدم التصديق أي الاتهام حتى يثبت عدمه, وكأن الواحد منا عليه جمع الادلة والبراهين الساطعة لمواجهة هذا الأمر, والا تحركت اللوبيات الموجودة في المستشفيات ضده وفق نظرية الكثرة تغلب الشجاعة وليس وفق نظرية ان الحق والعدالة هما الغالبان. يبدو ان الحريصين على صحة المرضى من سوء الآخرين ليس لهم صوت يذكر وبالذات المواطنين منهم, لأن التهديد بالويل والثبور هو الغالب على نمط الكثير من الادارات في مؤسساتنا على وجه العموم, وحتى يصل الموضوع الى الحكام يكون السيف قد سبق العذل ووقعت الفأس على رأس الطبيب أو العامل الذي يملك قلبا رؤوما يعالج به هذا المريض قبل ان يعالجه بالادوية المسكنة أو الاجهزة المعلقة والتي تبدو صورتها أقرب الى حبال المشانق وأدوات لاستخراج الأرواح من الاجساد بدل الحفاظ عليها حتى بلوغ الحلقوم, فلا حول ولا قوة الا بالله من التسليم بقضاء الله وقدره, وأما قبل ذلك فهو محل حديثنا هذا. غرف العناية المركزة في الدول الغربية المتطورة تتعامل مع المرضى الذين لا يرجى شفاؤهم وفق نظرية الشفاء الكامل والممكن, ولا يمكن للعاملين في هذا القسم ان يذكروا للمريض مباشرة بأن الأمر بيد الله وحده, وان العلاج بالنسبة له مستحيل, ويجب مواجهة هذه الحقيقة دون أدنى درجات تهيئة المريض ودراسة ظروفه النفسية أثناء تكرار عملية المراجعة. وبالذات لغة الاطباء في هذا القسم قريبة جدا من لغة ملك الموت وملائكة العذاب بحيث تخرج الكلمات من أفواههم على رؤوس المرضى ومن حولهم من الزوار وخاصتهم كحجارة السجيل الخارجة من أفواه الطيور الابابيل, هذا وأنت تظن بأنك تقف بين يدي حمام السلام بثوبه الأبيض, الا ان مفعول هذا الثوب عند رؤية المريض له لا يسر عدوا ولا صديقا حميما. هل نتصور مجرد تصور, عندما يراجع أحد المرضى طبيبه المختص في مرض عضال وهو في شدة الألم يكون رده ببرود تام: أنت لا تشكو من المرض, بل من الدلع الزائد! تعرفون ماذا كان الجواب العملي للمريض على الطبيب المداوي, هو الدخول الى غرفة العناية المركزة وفي غيبوبة طويلة لن تخرجه منها الا عين الرحمة الربانية, وهناك من المرضى من لم يفق لسنوات.