تربية الإنسان على إبداء رأيه في أي موضوع يخطر على باله من القضايا المقدسة, واحترامها يدخل في صميم الحقوق التي يجب تشريع كافة القوانين والدساتير للحفاظ عليها والدفاع عنها بصوت القانون ذاته.المجتمع الذي لا يربي أفراده على قول ما يراه بعيدا عن مقص الرقيب الظالم غالبا يبقى في المقعد الخلفي لتطور الأمم والمتفرج على الآخرين من باب إضفاء شيء من الرضا النفسي وأنه يستمع جيدا مع أنه لا يجيد المشاركة لأن الفرصة غير متاحة وغير ممكنة. من هنا تأتي أهمية دور أجهزة الإعلام في تقوية هذا العنصر وتكوين الانسان, فلابد أن يكون له رأي في قضاياه الحياتية التي لا تنفصل عن تكوينه كإنسان له ماله وعليه ما عليه من الحقوق والواجبات. وسأركز حديثي على الإذاعة المسموعة وذلك لشدة التصاقي بها أو لأنها أقرب الى طبيعة عملي ومشوار حياتي اليومية, ففي فترة دراستي في الخارج ــ انجلترا ــ كنت استمع الى المذياع من خلال السيارة واستغربت ساعتئذ من برامج عجيبة تذاع على الهواء دون حرج رقابي أو مجتمعي والمستمع من أول وهلة يظن بأن وجود مثلها في بلادنا سوف يقلب على القائمين على أجهزة الاعلام الطاولة فوق رؤوسهم, إلا أن الأمر بالنسبة لهؤلاء القوم الذين يفقهون الحديث المذاع أهون من هذا الذي نشعر به بدرجات يصعب أحيانا مروره في الخيال أو يفضل الانسان ألا يمرره في خياله خوفا من نظرية (الرقابة على الرقابة) . فالبرنامج باختصار شديد لا يحتمل الطول ولا العرض لأنه يبدأ بسؤال واحد فقط لكل المشاركين فيه عبر الهواء والسؤال يقول: من الغبي؟ فالجواب يأتي كالبرقية المرسلة عبر أثير وزارة البرق والهاتف دون قطع أوصاله أو سمل عيونه! الوزير الفلاني, لماذا؟ لأنه في فترته حرمنا من كيت وكيت من المعونات الاجتماعية أو الاقتصادية التي كانت وفيرة جدا في العهد السابق. أما جواب المشارك الثاني فكان بــ (أنا) المستمع يتهم نفسه بالغباء لماذا؟ لأنه تعرض لموقف في حياته لم يستطع التصرف فيه بحكمة فأطلق على نفسه صفة الغباء. ويتبع هذا السؤال سؤال آخر معكوس هو: من الذكي؟ وهكذا تتوالى الردود عليهما, فكل واحد يلقي درسا عمليا يسرد فيه سيرة الأذكياء والأغبياء دون أن يخلق هذا الأمر قلقا أمنيا من الناحية الاعلامية على مسيرة تطور وتنمية المجتمع نحو المزيد من الوعي بالمسؤولية الفردية وتحملها تجاه الآخرين سواء كان الرأي مفيداً أو ضارا وهذا هو صمام الأمان لتفشي الحرية في أي مجتمع. أما بقاء الآراء محبوسة في الصدور والقلوب فسرعان ما يتحول الى سكتات قلبية ودماغية أو جنون لا يلوي على شيء, فهذا من طبعه خلق المشكلات وعدم إضفاء الحيوية على سلوك طريق التعبير الحر عن الرأي دون التحفظ أو الخوف من انتشاره. ومع هذا فلست من دعاة تقليد الآخرين أو تقليد الإذاعات الأخرى في برامجهم لأن لنا خصوصية لابد من مراعاتها مهما ادعينا الحاجة الماسة الى فتح المجال لحرية الرأي فيما يمس حياتنا اليومية من قضايا وموضوعات. وانتقل من البرامج الانجليزية الى البرامج العربية في إذاعة لندن العربية وهي أشهر من أن أتكلم عنها, لأنها مازالت الملاذ لمن يريد أن يعرف بعض حقائق الأخبار اليومية التي تنشر لدينا مبتسرة أو مختصرة الى درجة الاخلال بالمعنى والمبنى أحيانا ومن يريد معرفة الفرق فلا تعجزه المقارنة, ولكن مع مساحة الحرية المتاحة في هذه الاذاعة إلا أنها ضاقت ذرعا ببرنامجها حول (الرأي الآخر) الى درجة أنها اضطرت في فترة ما إلى اغلاق هذا البرنامج وإلغائه من الجدول اليومي ثم إعدامه مع شدة إلحاح المستمعين لعودته, يبدو لأنها محطة تذاع بالعربية فكان الجزاء هو حرمان العرب من أي نسمة للحرية ولو من بعيد.