من يريد ان يرى العالم في قرية واحدة فلن يكلفه ذلك مالا وفيرا, بل قليلا من الوقت وفقا لظروف كل واحد منا, يستطيع من خلاله المرور على عشرين دولة في وحدة زمنية قد تستغرق ثلاث الى اربع ساعات بحيث يخرج بعدها بحصيلة من الفوائد الجمة ولا تزال قدماه لم تفارق ارض الدولة, بل أرض دبي اذا اردنا المزيد من الدقة . العرب المشاركون في هذه القرية العالمية, ومن خلال متابعاتنا لاحاديثهم الاذاعية كانوا يرون في هذه المناسبة صورة جميلة لوحدة قادمة فيما بينهم ولو من الناحية الاقتصادية كخطوة أولى بعد وحدة المشاعر المغروسة سلفا في قلوبهم. للعاطفة في مثل هذه المناسبات دور كبير في إلقاء ظلال من التعايش المقبول بين كل من تجمعه مصلحة ولو كانت مادية في البداية, الا ان التعامل اليومي تحت مظلة حسن المعاملة وهي أحد شعارات المهرجان الذي بدء به هذا الاحتفال خلال شهر كامل وجها لوجه يزيل الكثير من الشوائب النفسية التي نسمع عنها احيانا عند بعد. ولكن للقرب لغة اخرى غير لغة النوى وقد ينطبق على البعيد عن العين بعيد عن القلب, ولكن بمجرد اللقاء الأول تزول أنواع كثيرة من الغبش او الغشاوة من العيون التي كانت لاترى هذا البعيد الا من خلال السماع وقد تتخلله المبالغة في ذكر السلبيات على حساب الايجابيات التي هي وقود الألفة والاقتراب. وقد شعرت بهذا الاحساس الذي يقرب صورة العربي في حالته الايجابية, عندما قام المسؤول عن القرية اللبنانية بالترحيب بالمذيع بقوله: أهلا بك في بلدك, وضحك المذيع مازحا ومستغربا من هذه التحية التي يجب ان تكون صادرة من قبل المذيع وليس ضيف البرنامج, إلا أن هذا الضيف العزيز عقب قائلا ماذا تقول لرجل وطئت قدماه ارض الامارات وهو في الخامسة والعشرين من عمره ويقف امامك وهو في الاربعين, فهل 15 عاما من عمري التي قضيتها هنا قليلة لكي أقوم بالترحاب بك في ارضنا الموحدة. القرية العالمية غدت نموذجا لأرضية يمكن ان نقف عليها في سبيل المزيد من الوئام بدل الفصام. ولم أسمع من البقية غير هذه اللغة الحية في احاسيسها ومشاعرها تجاه الامة العربية ولقد أخذ الحماس بأحد الضيوف من تونس الى درجة أنه شبه هذه القرية بفاعليتها بنموذج مصغر للوحدة العربية المرجوة, لعله قال هذا لأنه رأى معظم اخوانه العرب في هذا المكان. هذا عن العرب, فماذا عن الجنسيات الاخرى التي مثلت وجه دولها الحضاري كل حسب موقعه من الإعراب, فكان الوجه البشوش والترحاب الدافىء ديدنهم, فمن خلال تجوالنا لمرتين متتاليتين لم نشعر بأن المشاركين في هذه القرية أغراب, فمنهم من يتقدم لتقديم المأكولات والمشروبات المجانية لكل من يمر عبر محلاته المشاركة فلا يقدم او يفضل جنسا على آخر وقد يسعى الى اسعادك بدماثة أخلاقه وتشجيعك على الشراء بطريقة بعيدة عن اسلوب الفرض او الاحراج, بل فيه من الدبلوماسية الاقتصادية الممزوجة بالجانب الاجتماعي اكثر من اي شيء آخر. فلا نعرف ان البشر يمكن ان يعيشوا في وحدة شعورية مع قدر كبير من الامان النفسي إلا عندما تتعامل الألوف منهم وفي فترة زمنية قصيرة وفق أرقى السلوكيات المعتبرة بين بني الانسان بعيدا عن النعرات القومية والعصبيات الجاهلية وكل ما يضع الانسان تحت مطرقة ومنجل العنصرية البغيضة. هذه ليست صورة رومانسية انما هي انطباع لاحظناه في اكثر من فعالية كان لنا دور المشارك المباشر فيها سواء في عمليات الشراء أو السؤال فقط عن بعض محتويات القرية أو ممارسة الالعاب المسلية للصغار والكبار, فشعور احدنا بأن العالم يمكن ان يجتمع تحت سقف واحد دون الدخول في متاهات السلبيات الجانبية التي لايخلو منها مجتمع بشري, كان حاضرا وبقوة من خلال جولة واحدة, ولكن مع شيء من عمق النظرات وسلامة التفكير تسحب قلبك الى أن اجتماع العالم في هذه القرية هو عين التميز.