بعد التحية:بقلم-د. عبدالله العوضي

مسلسل الغش التجاري حلقاته أكثر مما نتصور وهو فيما يبدو في تطور مع تغير الأساليب الملتوية واستغلال كل الطرق غير القانونية للاستفادة المادية البحتة على حساب صحة الناس أو المستهلكين, الذين قل ما يلتفتون إلى تواريخ صلاحية السلع الغذائية , لانهم في غالب الأحيان يقومون بشراء حوائجهم اليومية في أسرع وقت ممكن, لعدم وجود الفراغ الكافي لديهم للتمعن والتدقيق على كل بضاعة استهلاكية يقومون بشرائها بصورة غير منقطعة. والظاهر ان هؤلاء أو هذه الفئة من الغشاشين المتخصصين في هذا النوع من التخصصات الدقيقة الفاسدة, لانها تتعامل مع البضائع الفاسدة أو التي توشك على الفساد بعد وقت قصير من التاريخ المحدد عليها, فيتم تحديد صلاحياتها بأساليب غاية في السهولة مع توفر الامكانات أو التقنيات الحديثة. هؤلاء على وجه التحديد يبدو انهم درسوا سلوكيات الناس في عصر السرعة في عملية الشراء اليومية وكيف ان أحدهم ينسى لاستعجاله بقية النقود لدى المحاسب أثناء خروجه من المحل, فلو لم يتم تذكيره من قبل هذا المحاسب لما عرف بأن لديه ما يأخذه منه غير السلع التي قام بشرائها, فكم من المستهلكين يعودون مرات ومرات إلى نفس المحل لاسترجاع نقودهم, أو حتى فواتير مشترياتهم بعد فوات أيام عديدة عليها. هناك منهج متبع في الدول الغربية بخصوص السلع الغذائية التي توشك على الانتهاء بعد أشهر قليلة قبل انتهاء التاريخ الثابت, وهو وضع تلك السلع في زوايا وأركان المحل والاعلان عنها في المداخل حتى يكون (الزبون) أو المشتري على علم بها, فلا يتعرض لعملية غش مقصودة من أجل التخلص بأي طريقة من هذه البضاعة التي أوشكت على الفساد والافساد في الوقت نفسه, وهذه العملية أو السلوك التجاري فيه دلالة أخلاقية على الأمانة التي يفترض أن تتواجد كذلك عندنا, فهي بضاعتنا أولا وأخيرا (إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا). فكلما قلت درجة الأمانة لدى الإنسان قللت لديه حرصه على أداء الواجب دون الدخول إلى عالم الغش والخداع البصري أو الداخلي. من هنا جاءت منزلة التاجر الأمين في درجة الأنبياء والصديقين والشهداء في أعلى عليين لان وجود هؤلاء في هذا الزمان في حكم السلع النادرة. فخبر هؤلاء الغشاشون الذين ذكرناهم في بداية الحديث عن هذا المسلسل الطويل في حلقاته يقول: ان التحقيق جار مع ثلاثة من الجنسية الآسيوية بعد أن ضبطوا وهم يقومون باستبدال ملصقات تاريخ الصلاحية على مواد غذائية تبين انها غير صالحة للاستهلاك, فقد تبين ان الأول وهو عامل في أحد المستودعات التابعة لشركة غذائية يقوم باستبدال ملصقات تواريخ الصلاحية على مغلفات تحتوي على لحوم, ومن الفحص تبين ان مدة صلاحيتها منتهية وغير صالحة للاستهلاك الآدمي. وبالتحقيق مع العامل ذكر ان المتهمين الآخرين وهما مدير المصنع وشريك المالك أمراه بالقيام بهذا العمل, كما ضبط في المستودع ثلاجتان كبيرتان تحتويان على كمية كبيرة من اللحوم المنتهية الصلاحية. هكذا إذا يتم الغش عن طريق مباشر وأمر فوري من مدير المصنع حتى ينطبق عليه المثل القائل (إذا كان رب الدار بالدف ضاربا فشيمة أهل الدار الرقص) . وهو دليل حاسم بأن العامل العادي لا يجرؤ على ارتكاب الكثير من المخالفات إذا لم يلاحظ بأن الرأس الكبير يلعب بذيله عن طريق استخدام صلاحياته التي يفترض في هذه الحالة انها منتهية بانتهاء صلاحيات المواد الغذائية الفاسدة فلو لم تكن صلاحيات مدير المصنع هذا منتهية قبل انتهاء صلاحية السلعة الغذائية لما واجهنا هذا السلوك الاقتصادي المنحرف.

طباعة Email