واحة السجاد, عالم آخر من المرح الثقافي وامتداد آخر في عمر الزمن البعيد, بداية, ظننت ان الواحة مكان لعرض كميات هائلة وثمينة لافخم انواع السجاد, وهي كذلك, ولكن ما تحمل في جوهرها اكبر من ذلك بكثير . قمنا بجولة شبه سريعة في الواحة الغناء وسط المناظر الزاهية تضمن تواريخ الامم الانسانية على مر العصور, فالنظرة الاولى الى تلك اللوحات تذهب بك الى ان امامك قطعا من السجاد قد تشبه بعض ما يحتويه منزلك بغض النظر عن القيمة المادية لكل نوع على حدة. ولكن النظرة المتعمقة ابعدتنا الى اغوار النفس البشرية التي خطت وصممت على رسم تاريخها بالكامل ممزوجا بجهودها عبر آلاف السنين على لوحة من السجاد الفاخر قد لا تزيد مساحتها على مترين في ثلاثة امتار ولكن فيها من المعلومات الدقيقة اعجب من الوصف. ولقد ثبت في مخيلتي لوحة سجاد فارسية اورد الفنان الذي قام بوضع لمساتها بمداد عمره في صفحة واحدة قصة الامبراطورية الفارسية منذ نشأتها الى هذه اللحظة المتمثلة في حكم الايات. ولقد اظهر هذا الفنان النحرير لكل عصر من عصور الحكام ابرز ما تميز به الحاكم في زمنه بحيث يعرف الناظر البصير بأهم انجاز لكل فترة على حدة دون ان تختلط العصور وتضيع الجهود وتتفرق دماؤها بين القبائل كما نقول. وهذا ما قام احد الزائرين الى هذه الواحة بلغت نظرنا اليه عندما وجدنا مبهورين بما نرى فكان من هذا الضيف الكريم تعليق عابر رسخ في الاذهان, وما نسطر جزءا منه الآن. فكرة واحة السجاد في مهرجان هذا العام 99 بحاجة الى دراسة مستقلة وتوثيق خاص لان من ورائها حقائق باهرة يمكن ان تستفيد الاجيال المعاصرة منها الكثير من المعلومات الدقيقة حول حاجات الانسان اليومية التي جعلت منه ان يفكر في صناعة تدر على البشرية مئات الملايين من الدولارات سنويا في مختلف انحاء العالم. ولقد زينت هذه الواحة في تلك الامسية الرائعة محاضرة قيمة القاها الروائي المعروف جمال الغيطاني وهو شخصيا كان مفاجأة مستقلة للامسية والحاضرين حيث تم اكتشاف هذا الاديب من جديد على انه احد الاعلام في معرفته لصناعة السجاد, حيث اعلن عن نفسه وقدمها على اساس ان شهادته الاصلية في صناعة السجاد وهي بعيدة جدا عن عالم الرواية, إلا انه اكد بأن استفادته من هذا العلم الدقيق في رواياته كان بقدر الجمال الذي يحوي عالم الالوان والذي بدونه يعتبر الكون كله عدما او بلا طعم, تخيل لو كان الكون كله بلون واحد, اسود او ابيض, فكيف يكون لون الحياة؟! تناول الغيطاني في روايته عن السجاد ولا اقول محاضرته, حيث ان السرد الروائي ابتدأ من تجربته الشخصية في الخمسينات حتى اليوم الذي شهد فيه هذه الفعالية وذكر شهادته امام الحضور بأنه زار معارض كثيرة للسجاد في جميع انحاء العالم ولكن هذا التجمع الكبير لكل ما انتجته اليد البشرية لم يره إلا في دبي, وحتى في اوروبا فإن المعارض فيها تحتوي على نوع واحد فقط من انواع السجاد المعروفة لدى اهل الصنعة. لذا كان اقتراحه بعد الامسية وجيها في ضرورة اصدار وثيقة خاصة على شكل كتاب مستقل يحتوي على كل ما هو جديد ونافع, او دليل خاص يرشد المهتمين بهذه الصناعة التي يخشى عليها الاندثار لولا وجود طبقة مغرمة بها. ولكن بقليل من الاهتمام العلمي بهذا العالم الرائع في ظاهره وجوهره نستطيع ان نخدم العالم اجمع بعمل ثقافي ذي طابع خاص ونكهة فيها عبق الماضي وروح الحاضر نجمع فيه تراث الانسانية كلها في دبي. ث