تعتبر بعثة الامارات الدائمة في الامم المتحدة خلية نحل دائمة العمل, فالاحداث السياسية لا تعرف راحة أو اجازة, والبعثة هي صوت الامارات في المحفل الدولي الذي يضم جميع دول العالم, وبالتالي فإنها تواكب كافة الاحداث بشكل يومي متصل في ذلك المبنى الضخم الذي يطلق عليه (مطبخ الاحداث) أو مبنى الأمم المتحدة في نيويورك . هذا العمل المتواصل بحاجة الى رجال يعرفون معنى التفاني والاخلاص لاسم دولة الامارات ويحتاجون الى تركيز ومثابرة, فهم لا يمثلون أنفسهم بقدر ما يمثلون دولة بين الدولة. .. ولأن دولة الامارات تنتهج سياسة حكيمة وواضحة خط معالمها صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة ــ حفظه الله ــ فإن رئيس وأعضاء البعثة الدائمة للامارت في الأمم المتحدة يجدون سهولة ووضوحا في اتخاذ القرارات والمواقف السياسية نظرا لوضوح رؤية سموه وسياسته الواضحة. وفي ذلك المبنى القريب من الأمم المتحدة في الطابق الـ (31) يقع مقر البعثة التي تأسست بعد قيام الدولة سنة 1971 لتمثل صوت الامارات في هذا المحفل الدولي المهم. صعوبات البداية يقول السفير محمد جاسم سمحان رئيس بعثة الامارات الدائمة في الأمم المتحدة والذي أمضى أكثر من 15 عاما في هذا المنصب: ان بعثة الامارات الدائمة بعد ان تأسست في عام 1971 واجهت بعض الصعاب, لاسيما فيما يتعلق بالبحث عن المقر المناسب وكيفية التعامل مع جدول أعمال المنظمة الدولية خاصة في تلك الحقبة السياسية التي سبقت الحرب الباردة, ولكن بفضل دعم ومساندة بعض الدول العربية تغلبت على تلك المشاكل واستطاع الاخوة في البعثة والتي كان يرأسها د. علي حميدان المساهمة بدرجة كبيرة في أعمال دورات الجمعية العامة. وأضاف انه ومنذ تلك الفترة تعزز دور البعثة في المحفل الدولي واتضح دورها في المشاركة الكاملة بالاجتماعات المتعلقة بالأمم المتحدة خاصة فيما يتعلق بالمسائل ذات الطابع السياسي والاقتصادي والانمائي بشكل عام. سياسة متزنة وأكد محمد سمحان ان البعثة تتخذ مواقفها بشكل دائم من مواقف وتوجيهات صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة لاسيما فيما يتعلق بعلاقات الامارات الثنائية, وفيما يتعلق بالمسائل المطروحة في جدول أعمال المنظمة الدولية ومجلس الأمن, مشيرا الى ان هناك تنسيقا واتصالا دائمين مع الدوائر الخليجية والعربية والاسلامية انطلاقا من القضايا الوطنية والقومية. كما أكد سمحان ان الامارات حققت نتيجة سياستها المتزنة والمتميزة على جميع المستويات مكانة خاصة بين كافة دول العالم. وحول طبيعة عمل الوفد الدائم في الأمم المتحدة قال سمحان ان الوفد يمثل الدولة في الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة التي تتشكل من ستة أجهزة, وهي: مجلس الأمن والجمعية العامة ومحكمة العدل الدولية والمجلس الاقتصادي والاجتماعي ومجلس الوصايا وسكرتارية الأمم المتحدة, وكل جهاز من هذه الاجهزة منوط بجدول أعمال معين, ومن ثم هناك لجان متخصصة تعالج تلك المسائل المتعلقة بالسلم والأمن مثل: مجلس الأمن, أو القضايا الاقتصادية والتجارية في المجلس الاقتصادي, بالاضافة الى اللجان المتعلقة بالمسائل الاجتماعية والظواهر الجديدة في مجتمعاتنا الحديثة التي تؤثر في الاستقرار والأمن مثل المخدرات وأسلحة الدمار الشامل. ويضيف سمحان: بما اننا جزء من العالم فإن مثل هذه القضايا تصبح ضمن اهتماماتنا الرئيسية. كم هائل من الاجتماعات وفيما يتعلق بهذا الكم الهائل من العمل والاجتماعات وحجم البعثة, قال مندوبنا الدائم: ان وزارة الخارجية تقوم بارسال عدد من الدبلوماسيين في زخم دورات الجمعية العامة لتغطية اجتماعات اللجان المتخصصة مثل لجنة السلاح واللجنة السياسية وتصفية الاستعمار ولجنة حقوق الانسان واللجنة القانونية, مشيرا الى ان أعمال الدورة تستمر لمدة ثلاثة أشهر, أما بقية المؤتمرات المتخصصة فإن الدولة تقوم بارسال وفود من الوزارات وفقا لمجال التخصص. وأوضح انه بالرغم من قلة عدد الدبلوماسيين في البعثة حاليا حيث يبلغ عددهم ثلاثة فقط الا ان وفد الدولة الدائم ملتزم بتغطية معظم الاجتماعات ولا سيما مجلس الامن والمؤتمرات العربية والمؤتمر الاسلامي وعدم الانحياز. واضاف ان المشاركة تتركز حول معايير الاهتمامات في المسائل الاقتصادية ومشاكل المنطقة مثل قضية فلسطين والعراق وكل ما يتعلق بمفاهيم السلم والامن في المنطقة وعليه فان الوفد يتابع هذه القضايا ضمن اللجان المتخصصة. وأكد سمحان ان سياسة دولة الامارات واضحة وجلية ترتكز على مبادىء عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الاخرى والالتزام بأحكام القانون الدولي والعمل على حل النزاعات بالطرق والوسائل السلمية ان كان ذلك في الاطر الثنائية او التحكيم الدولي والعمل على أسس الحوار والمفاوضات والتعايش السلمي خاصة بين دول الجوار مشيرا الى ان الامارات لا تؤمن باستخدام القوة لحل النزاعات وتؤمن باحترام سيادة القانون الدولي وعلى هذه الاسس تنتهج الدولة سياستها الاقليمية والعربية والدولية. عمل متواصل ومن جهته تحدث يعقوب الحوسني نائب رئيس بعثة الامارات الدائمة في الامم المتحدة وقال ان البعثة تضم حوالي 13 موظفا منهم ثلاثة دبلوماسيين من الامارات, وحول كيفية التنسيق في اتخاذ القرارات الخاصة بالتصويت في المنظومة الدولية قال في البداية يتم التنسيق مع دول مجلس التعاون الخليجي ومن ثم مع المجموعة العربية ثم ننظر الى المجموعة الآسيوية وبعدها دول عدم الانحياز التي تعبر عن مواقف العالم الثالث مشيرا الى ان أي موضوع يتم النقاش حوله في الامم المتحدة يتم بناء على العلاقات الثنائية بين الدول. واضاف الحوسني ان برنامج العمل اليومي لدبلوماسيي البعثة يبدأ باستعراض البرنامج اليومي للامم المتحدة ومتابعة القضايا التي تهم الامارات في جميع المجالات سواء كانت في مجلس الامن او الجمعية العامة او المجموعات الاقليمية موضحا بأن طبيعة العمل شاقة وغير مرتبطة بتوقيت معين فالاجتماعات اليومية تبدأ من الصباح ولغاية السادسة مساء لتبدأ بعدها الحفلات والاستقبالات الرسمية الخاصة بمختلف دول العالم والذي يعتبر حضورها مهمة رسمية فهي تعبر عن مواقف الدولة واتجاهاتها ويتم فيها التعبير عن وجهة النظر الرسمية للدولة وعدم الحضور يعتبر موقفا سياسيا. ويضيف ان دورة العمل تمتد في كثير من الايام الى الرابعة فجرا لمتابعة المواضيع خاصة في الازمات. حب الوطن يغلب المشاق وأكد الحوسني انه وبالرغم من صعوبة المهنة ومشاقها الا ان حب الوطن والاخلاص له خاصة في هذا المحفل الدولي المهم يعتبر الطاقة التي يستمد منها الدبلوماسيون قوتهم مما يدفعهم الى التفاني وتحمل المصاعب وبذل اقصى ما يمكن بذله لتمثيل الدولة على اكمل وافضل وجه في الامم المتحدة, مضيفا بأن العمل في الامم المتحدة يكسب الانسان مهارة وخبرة كبيرة حيث يستطيع التعرف على أولويات اهتمام دول العالم, ويتعلم فن التخاطب وفن التفاوض وفن الصياغة وكيفية التلاعب بالالفاظ والتعبير عن المواقف وهو مالا يمكن تعلمه من خلال الكتب. خبرات كبيرة ويقول أنور عثمان سكرتير ثاني بالبعثة والذي أكمل خمس سنوات من العمل في الأمم المتحدة ان طبيعة عمله تشمل متابعة اعمال الشؤون المالية والادارية في البعثة بجانب تغطية بعض اعمال واجتماعات اللجنة الخاصة المعنية بالشؤون الادارية والمالية التابعة للجمعية العامة, وحضور الاجتماعات المكلف بها من السفير في مجموعة 77 وعدم الانحياز وبعض اجتماعات اللجان الفرعية. ويضيف انه اكتسب خبرة معرفية كبيرة من خلال السنوات التي قضاها في نيويورك خاصة فيما يتعلق بكيفية صياغة القرارات في الامم المتحدة والمداخلات التي تحصل في الاجتماعات الرسمية ومنهجية ادارة بعض الجلسات من خلال المفاوضات التي تتم في اطار المجموعات او اللجان المتخصصة. وحول الصعوبات التي واجهها في بداية عمله قال ابرز الصعوبات التي واجهتها في بداية عملي هي كيفية الدخول في مجال العمل بالامم المتحدة واستكشاف مواقف بعض الدول ولكن بعد الاحتكاك وحضور الاجتماعات والالتقاء مع العديد من الدبلوماسيين تغلبت على هذه المشكلة. واضاف انه تعلم كذلك الحرص الدبلوماسي خاصة اثناء الحديث والمجالسات غير الرسمية حيث يجب ان يكون الشخص ملم ومتفهم لمواقف الدول ومن يمثلونها في القضايا المطروحة على جدول الاعمال في الامم المتحدة حتى لا يتسبب في بعض الاحراجات في الحديث كما يجب ان يكون متحفظا جدا ويفضل ان يكون مستمعا أكثر من ان يكون متحدثا. نيويورك ــ سامي الريامي