بعد التحية:بقلم- د. عبدالله العوضي

الطفل خامة نقية بعيدة عن الشوائب التي قد تتعرض لها الأحجار الكريمة وهو أثمن وأكرم بكثير من الجمادات والتعامل معه لا يقل أبدا عن تعامل أخصائيي الألماس حين حصولهم على قطعة فاخرة تساوي في قيمتها المادية والمعنوية كل أنواع المجوهرات المعروفة على مستوى العالم . في بيوتنا ومدارسنا أطفال أذكياء بلا شك, قد نعلم عن ذكائهم شيئا وقد نتناسى هذا الأمر لعدم وجود حضانة خاصة أو محضن تربوي يحمل هم العناية المركزية الدقيقة بهم حتى يصلوا إلى تحقيق مرحلة الانجازات الخاصة بمجتمعهم. نحن على يقين تام, بأن التربية والتعليم لا تعرف شيئا عن عدد الأطفال الأذكياء في الدولة ولم تقم إلى الآن باجراء الاختبارات النفسية التي تستخرج هذه الدرر من بين جدرانها وان كانت الجامعات من خلال كلية التربية تدرس ضمن مناهجها مادة قياس الذكاء لدى أفراد المجتمع ويخرج الطالب من خلال هذا المساق ولديه معرفة بأن هناك طلبة يعدون خارج النطاق المتوسط للذكاء وهو في نطاق الخوارق التي لا نحتاج إليها الآن, وهناك من يمثل دون المتوسط في ذكائه وقد لا يعار اهتماما يذكر, وعليه يتم التركيز على متوسطي الذكاء وهم شريحة تمثل المعدل العام للبشر وهؤلاء في الغالب لا يحتاجون إلى رعاية خاصة لانهم يعيشون بيننا ويتأقلمون معنا وكأنهم عاديون وإذا أخرج البعض منهم سلاح ذكائه يوما في موضوع معين قامت قيامة الحسّاد من حوله من أجل دفنه تحت أنقاض وأكوام الجهل المركب الذي يعشش في عقول بعض الأفراد الذين يحلو له العيش بعيدا عن خط التماس مع عالم الأذكياء رغم قدمه من الناحية التاريخية, ففي تراثنا العربي والإسلامي مؤلفات جليلة تابعت سيرة الأذكياء وكذلك الحمقى والمغفلين وهما الفئتان اللتان لا يخلو مجتمع بشري من وجودهما على مدار التاريخ, فلمزيد من التفصيل يمكن أن يعود القارئ إلى أخبار الأذكياء وأخبار الحمقى والمغفلين لأبي عبدالرحمن بن الجوزي. وعودة إلى زماننا المعاصر ونظرة إلى المجتمعات الغربية التي أثرت طريق التخصص الدقيق في كل علوم الدنيا, فسنويا تخرج الألوف المؤلفة من المتخصصين في كيفية التعامل مع من يرزقه الله ويمنحه ذكاء خارقا عن المعتاد, ولا يعتبرون هذه الظاهرة كارثة كما نعتبرها نحن نظرا لقصور الأدوات المعرفية لدينا في التعامل مع هذه الشريحة من البشر. ففي (فنزويلا) أحسنوا التعامل مع هذه الظاهرة واستثمروها بتخصيص حقيبة وزارية تحت مسمى وزارة الذكاء وعلى رأسها وزير معتبر كبقية الوزراء إن لم يفقهم ذكاء في مجال عمله. وفي بريطانيا تعين فريق من المدرسين خصيصا لمتابعة تطور طفل بريطاني صغير يبلغ من العمر ثلاثة أعوام يوازي معدل ذكائه طفلا في الثامنة من العمر. وفي امكان (ايروكير) منذ الآن العد حتى العشرة في خمس لغات بما فيها السواحلي, وكان قادرا منذ عمر السنتين على الاشارة إلى كل السيارات التي يشاهدها في الطريق بأسمائها ويتمتع بذاكرة تعتبر (تصويرية) . هذا الفريق الخاص الذي كلف بالاهتمام منذ الآن بهذا الطفل الخارق, لو كان الطفل بيننا هل يمكن لخيالنا أن يشطح بعيدا عن أهل التربية والتعليم لتشكيل فريق مثله؟!!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات