بعض مطربي هذا الزمان ممن ارتفعوا بسبب تقليدهم للكبار لايعاب عليهم هذا السلوك اذا ما التزموا بتقليد العراقة في هؤلاء دون أن يؤدي ذلك الى مسخ واضح في الأصل المشرف . لأن أي فنان لا يمكن أن يبدأ من الصفر, فلابد له من رصيد الآخرين وبالذات من أهل التميز سلما يصعد من خلاله بحيث لا يكون هذا الصعود في كل درجاته, لأن المطلوب الوقوف عند نقطة محددة ثم الإنتقال الى ذاتية الفنان نفسه حتى يثبت جدارته الشخصية ومهاراته الخاصة في هذا المجال والتي تختلف دائما مقارنة بمن قلدهم في أول المشوار. كبار الفنانين ظواهر لا تتكرر لأنهم مملكة مستقلة بذاتها وإلا كان الجميع نماذج من التكرار الممل في مجال لا يصبر على الملل لأنه متجدد مع تجدد فنون الحياة اليومية البشرية. الفنان الأصيل يدمج مع فنه جزءاً لا يتجزأ من روحه ودم قلبه كما يقال ويحرق نفسه من أجل أن يكون شيئا مذكورا بعد كفاح سنوات بعيدا عن الطفرة الإعلامية السريعة والتي يمكن أن تنطفىء مع إطفاء أو إغلاق زر جهاز التلفاز. بعض المسرعين والمتجاوزين للسرعة القانونية في تطوير المواهب والبروز والحضور على الساحة الفنية يتخذون من عصر السرعة كذلك ذريعة للجري إلى الأمام وإن كان بخطوات غير راسخة, حيث يسارع العثار الى بعضهم بأسرع مما يتوقعون. في العجلة الندامة ينطبق على شارع الفنانين مثلما ينطبق على الشوارع الأخرى ويردف هذا القول من طلب الشىء قبل أوانه عوقب بحرمانه وبالذات عندما يسعى البعض الى قطف ثمار الآخرين بطرق ملتوية يرهق من يتابع معرفة الحقائق التي تكون أقرب الى السرية منها لوجود جهات عديدة تتداخل خطوطها في منتصف الطريق. فاذا عددنا الفن من جملة السلع والبضائع المطروحة في الأسواق فإنه يتعرض لا محالة الى مرض الغش والتزييف والاحتيال والتزوير فاذا لم نجد جهة تنصف الصامدين والبعيدين عن تلك الآفات التي تطال البضاعة وصاحبها مباشرة, فتهوي به من القمة الى القاع دون أن يجد لحالته بواكى هذا اذا لم تكثر من حوله سكاكين الباطل. ولا يضير الفنان اذا بدأ مقلدا للعمالقة فهذا شرف الكل يتمناه اذا عرف كيفية الإستفادة من الجوانب المشرقة في حياة ذلك العملاق دون أن يكون سببا مباشرا لتسفيه عمله أو التقليل من شأنه, مع عدم النسيان بأن الذين سبقوا في هذا الطريق رجال وكذلك الذين يواصلون المشوار أيضا رجال لا تلهيهم السفاسف والنتوءات الجانية عن الحفاظ على الأصل. إن الوصول الى النقطة الفاصلة بين السابقين واللاحقين هو الهدف النبيل لكل من يحترم الفن في أي مجال كان رسما أو غناء أو تمثيلا.. الخ. عند هذه النقطة الهامة يستطيع الفنان الحقيقي أن يحافظ على استقلاليته في العطاء ومن هنا يحسب له المشوار الخاص به بحيث يضيف الى السابقين نمطا جديدا لم يتمكنوا من ابتداعه لقصور ما ولفارق الزمان وتوافر الوسائل المعينة على الصعود الإعلامي وفق أحدث التقنيات التي تستخدم لإخراج عمل فني الى الجمهور. وما يوسع الحديث في هذه الدائرة هو أن الأمر يومي ومشاهد ومسموع لمجموعة كبيرة من الناس ولا يمر يوم إلا وهناك من يقول شيئا ما عن الفن والفنانين وتبقى وجهات النظر متضاربة لأن هذا قدر الساحة الفنية على وجه العموم. د. عبدالله العوضي