اذا أردنا فعلا ان نرشد الانفاق لصالح المجتمع من الداخل, فلابد ساعتئذ من اجراء آخر هام للغاية لاحداث نوع من التوازن وذلك بالجدية في السعي نحو ترشيد العمالة الوافدة , والتي تستنزف معظم الموارد المالية للدولة لانها تحول الى الخارج, ومن المعروف بداهة ان العمالة المواطنة بشكل عام لا يبقى لديها شيء لاخراجه خارج البلد الا ما يخص قطاع رجال الاعمال ولدواعي العمل في غالب الاحيان. اما القوى العاملة غير المواطنة فلا أحد يشك بأن الهدف الرئيسي من العمل لدينا هو توفير أكبر قدر من المال لاعالة افراد اسرهم في بلد المنشأ وهذا في حد ذاته حق مكتسب ولا غبار عليه, الا ان استخدام قرابة مليون ونصف المليون من القوى العاملة الوافدة, هذا الحق يؤثر مباشرة على حجم السيولة المالية التي يحتاج اليها اقتصاد الدولة لتدوير عملياتها في الداخل لصالح الاستثمار الوطني لأنه بهذا الاسلوب تتحول عشرات المليارات من الدراهم الى الخارج تحت سمع وبصر رجال المال والاقتصاد ولا يحركون ساكنا لأن اتخاذ قرار ترشيد العمالة غير المواطنة أمر سيادي وبحاجة الى عملية جراحية في قلب المشكلة ولن يجدي الترقيع الوقتي شيئا على المدى المنظور. فلننظر الى هذا الموضوع رقميا لعلنا نبتعد قليلا عن لغة العاطفة مع أهميتها للتفاعل مع أي مشكلة بشكل ايجابي. ان الغالبية العظمى من المواطنين تركز العمل في الحكومة الاتحادية, ورغم ذلك فانهم يمثلون 30% على مستوى اجمالي الاجهزة الحكومية, وتبلغ نسبة العمالة الوافدة 70% كما تبلغ النسبة في القطاع الخاص حوالي 90% وهذه تزيد من حدة المشكلة لتواجد الغالبية في القطاعين وهذا بالتالي سوف يؤثر سلبا على خطط الخصخصة المستقبلية التي سوف يتم تطبيقها اليوم او غدا, لأن المسألة تتعلق بمن في يده سلطة اتخاذ القرار بالذات في القطاع الخاص. يفترض في هذا الظرف ان يتم تدريجيا تخفيض العمالة الوافدة حتى نتمكن من تطبيق الاستراتيجية الخاصة بالتوطين, ففي خلال السنوات الخمس الاخيرة بلغ الارتفاع في العدد الاجمالي للسكان بالدولة قرابة 13.3% ومعظمه طبعا لصالح العمالة غير المواطنة والمعادلة التي تحكم هذا الوضع عكسية وليست طردية, فكلما تزايدت العمالة الوافدة, كانت النتيجة المنطقية هي تراجع معدل التوطين بالدوائر الحكومية, فمن هنا كان من الضرورة جدا اتخاذ قرار جريء تصحح من خلاله التركيبة السكانية في الدولة. وهذا يعني بقاء مشكلة البطالة الحقيقية وليست المقنعة بلا حل طالما ظل الضعف يلاحق عدد السكان المواطنين في التركيبة السكانية, فمن نتائجه السلبية على الحياة الاجتماعية في الاسر حرمان افرادها من الحصول على الوظائف ذات المردود المادي الجيد, ذلك لأن العناصر الوافدة تفوز على وجه السرعة, كما يحدث في مسابقات المهرجانات, بالوظائف لأنها الارخص مقارنة بالمواطنين لأن المثل السائد في هذا المجال في تطبيقه على الواقع صحيح عندما يخضع الشجاع للأكثرية, فالكثرة تغلب الشجاعة كما يقال. من هنا نعيد الى الاذهان التحذيرات الأخيرة للأمين العام لدول مجلس التعاون الخليجي جميل الحجيلان حول هذه القضية الشائكة ان عدد الوافدين الى دول الخليج بات يشكل (خطرا) . ان (قضية العمالة الوافدة بدأت تدق أجراس الخطر وهي مشكلة لابد من التعامل معها ولا يجوز تركها للسنين لأن العمالة الوافدة تحمل مشكلات ذات ابعاد خطيرة على الأصعدة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وقد تتعقد مستقبلا أكثر فأكثر..) وعليه الا ننام ملء جفوننا عن هذه المشكلة حتى لا تنفلت خيوطها من بين أيدينا وحتى لا ينطبق علينا المثل القائل: مافاز الا النوّم!