كيف يفكر طلابنا في هموم مجتمعهم وقضاياه؟ وكيف يتعاملون مع احداثه ومجريات الامور فيه؟ تلك الاسئلة وما يماثلها كانت في الذهن ونحن نلتقي بمجموعة من شباب الامارات القادمين الى الفجيرة من مختلف مناطق الدولة التعليمية للمشاركة في معسكر العمل والانتماء خلال عطلة الربيع . ولم يكن الامر سهلا في اذهان الكثيرين من طلاب ومشرفين باعتبار ان موضوع الحديث يحتاج الى خبراء ومتخصصين وانه بعيد تماما عن دائرة الطلاب وكافة المتعلمين. لكن التغلب على هذه النظرة جاءت بشكل ميسور عندما تفهمت ادارة معسكر طلاب الدولة بالفجيرة اهداف هذا اللقاء.. الذي يضع الطلاب وجها لوجه مع قضية لها انعكاساتها الكبيرة على حياتهم عندما يجدون انفسهم وقد اصبحوا الجيل الذي يتحمل افراده مسؤولية الوطن. ورغم ادراكنا ان الوقت مبكر بالنسبة لشغل الشباب بالهموم الا ان الامانة تقتضي ان نشير الى انهم اكدوا وعيهم الذي بدا واضحا في طروحاتهم حول الحلول التي نراها لا تختلف كثيرا عما يمكن ان تحمله اوراق العمل التي يعدها الخبراء والمتخصصون, ونقدم هنا ما قاله الشباب في حواراتهم معنا: ليست مشكلة * مدارس وجامعات: من المؤكد انكم تتابعون ما تنقله الاخبار عن انخفاض اسعار النفط عالميا, فهل تدركون اثاره على وطن يعتبر النفط سلعته الأولى والاهم بل والمصدر الاكبر للدخل الوطني فيه؟ ــ يجيب محمد ناصر الملاحي (من أبوظبي) فيقول: نعم نتابع وباهتمام, ونشعر بأن منظمة (اوبك) لم تعد بنفس قوتها وتماسك اعضائها وقدرتهم على السيطرة على الأسواق بتحديد قاطع وملزم لحصص الانتاج بحيث يكون عند سقف محدد لا يتعداه أحد, وهذا بالطبع يمكن ارجاعه الى ظروف الدول الاعضاء وظروف الاوضاع العالمية بشكل عام, واذا افترضنا ان الامر يمكن علاجه داخل المنظمة بأن هذا لا يكفي اذ علينا ان نعد أنفسنا لمواجهة أية ظروف تواجه تقلبات الاسعار. ويضيف علي محمد الضوي: الحقيقة المؤكدة ومن خلال متابعاتي تقول ان النفط في الامارات لم يعد هو المصدر الوحيد للدخل الوطني وان كان من اهم المصادر, وذلك يعود الى ان عملية التنمية كانت ناجحة اذ أسست من أموال النفط مصادر اخرى اضافية يمكنها عند الضرورة ان تكون البديل الجيد, وهكذا يمكن القول بأن انخفاض أسعار النفط ستقلل العائد من تجارته لكنها لن توقف ماكينة الحياة في ظل وجود مصادر حيوية اخرى للدخل. البحث المبكر عن بدائل ويقول علي محمد عايض العنسي (من تعليمية العين): ان انخفاض اسعار النفط يلفت انظارنا الى اثاره وبالتالي يجعلنا أكثر رغبة في احلال البدائل في ظل وجوده كمادة أولية او عدم وجوده, وهذا امر طيب بلا شك, خاصة اذا عرفنا ان الكثير من دول العالم قد بدأت وقبل سنوات طويلة في البحث عن بدائل ومصادر اخرى للطاقة غير النفط, وهذا الاسلوب هو ما طبقناه ونحن نستثمر اموال النفط في اقامة مشروعات اخرى تكون بديلة عند الضرورة. لا .. للقلق * مدارس وجامعات: رؤيتكم للأمر جيدة, لكنكم كجيل سوف يتحمل اعباء ذلك في المستقبل.. الا تشعرون بالقلق تجاه هذا الامر الذي يمكن ان يقلل من رخاء أيامكم ورفاهية حياتكم؟ ـ في ثقة يرد عبدالرحمن عبدالله عبدالرحمن (من تعليمية الفجيرة): ولماذا نشعر بالقلق؟ ان تاريخ بلادنا يمنحنا تفسيرا منطقيا حين نرى ان أجدادنا عاشوا في ضنك وقحط ومعاناة لكنهم استمروا على حبهم للارض وتمسكهم بها, هذه الارض التي حملت في باطنها ثروة الذهب الاسود التي استفاد منها آباؤنا لتتحول حياتهم وحياتنا الى يسر ورفاهية ورغد في العيش, ومن الضروري ان نواصل نحن رعاية ما وجدناه تحت ايدينا لتنميته وبالتالي استمرار الرفاهية. ويلقي سليمان محمد الخطيبي عبارته الموجزة فيقول: لن يكون لدينا قلق الا في حالة واحدة هي عدم القدرة على العمل, ولأننا جيل شاب فالطاقات موجودة والقدرات العلمية متوافرة, والانتماء للوطن لا يباريه انتماء, ان وعي الشباب بهذا هو مبعث الأمل بشرط الجد والعمل. العمل والانتماء * مدارس وجامعات: اجاباتكم رائعة, لكننا بحاجة الى ترجمة الكلام بحيث يجد طريقا للتنفيذ على الارض, وبمعنى آخر نريد دليلا على ان (العمل والانتماء) (وهو شعار معسكركم) لهما في أذهانكم موقع وأثر, وانكم بالفعل تعيشون واقع الوطن بكل مشاعركم واحاسيسكم؟ ـ علي محمد المزروعي (من منطقة أم القيوين التعليمية): لأننا نحب الوطن الذي ننتمي اليه فاننا نطمح دائما لأن يكون ـ وكما اراد قادتنا وحكامنا ـ وطنا يزهو بحاضره ويعمل لمستقبله ويعتز بماضيه, ولعلي أرى ان أول عمل يجب علينا كجيل مستقبلي القيام به هو تعديل سلوكياتنا التي فرضتها ظروف التحديث والرفاهية دون ان يعني ذلك ابتعادنا عن العصرية بل المطلوب النظر الى الامر من زاوية الحرص على استمرار الرفاهية وهذا سهل وميسور اذا تحلينا كجيل بسلوكيات سوية في مقدمتها الابتعاد عن المظاهر, والالتزام بترشيد الانفاق, والتخلي عن العادات المحرضة على التبذير والاسراف, هذا طبعا بالاضافة الى الالتزام بالاخلاص في العمل, والشعور بأن كل عطاء من الجهود تقابله فرصة افضل في الحياة الرغدة لهذا الجيل وللاجيال التي تعقبه. ــ عمر سعيد محمد المطوع (من تعليمية الفجيرة): نحن قادرون ــ بعون الله ـ على تحمل تبعات يفرضها انخفاض اسعار النفط, وعند الضرورة سنجد لدينا القدرة على تحويل سلبياته الى ايجابيات تعود بالنفع على وطننا بأجياله الحاضرة والمقبلة, انني اتصور ان هذه الظروف التي تواجه بلدنا الآن سوف تجعل منا جيل التحديات في القرن الحادي والعشرين واذا كنا قد عاصرنا اعظم الانجازات في القرن العشرين والتي صنعها قادتنا المخلصون فإن ذلك سيكون الركيزة التي نبنى عليها والنقطة التي تنطلق منها. ولعلي هنا ومن اجل المستقبل وازدهاره ادعو اخواني الشباب الى المبادرة بانشاء مشروعاتهم الصغيرة لتصبح ظاهرة عامة تنتشر في كل ارجاء الوطن, وربما وجدنا ذات يوم مؤسسة كبرى لمشروعات الشباب تدعمهم بالمال ويقدمون هم الجهد والعمل لصالح مسيرة الوطن. ــ هزاع احمد خميس الكعبي ــ (من تعليمة العين): اننا نعرف ان دولا لاتملك النفط قد استطاعت ان تحقق لنفسها اوضاعا اقتصادية جيدة, وهذا يدفعنا للاستفادة من تجارب هذه الدول واستثمار ذلك في التخطيط لواقع جديد يعتمد على عدة مصادر متنوعة للدخل الوطني. ــ علي محمد المزروعي (من أم القيوين): لا يمكن لنا القول بأن مصادر دخلنا محصورة في شيء واحد, فلدينا اراض شاسعة, وعندنا سواحل على امتداد البلاد يمكنها ان تكون مصدرا هاما لمداخيل ضخمة لو احسنا استثمارها سواء بانشاء اساطيل للصيد البحري او في مجال السياحة. تجاربنا الناجحة مرشدنا ــ محمد اسماعيل حسن المنصوري (من تعليمية رأس الخيمة): ان النجاح يصنع النجاح, واذا كنا نملك تجارب ناجحة في العمل من اجل الوطن, فإن هذا يدفعنا للمزيد من النجاح, واتصور ان تجربة نجاح الامارات في تصنيع الادوية تعتبر من ابرز معالم النجاح الوطني خلال مسيرة التنمية, وهنا يجب علينا للخروج من عنق زجاجة النفط باسعاره الاخذة في الانخفاض وذلك بأن نسعى الى اعداد خطة شاملة للتصنيع الوطني في كل ارجاء الامارات لاقامة صناعات متعددة ومتنوعة اقتداء بما قامت به امارة رأس الخيمة في تصنيع الدواء حيث نالت شهرة عالمية وموقعا متقدما بين الدول المنتجة للادوية. ــ محمد درويش محمد (من رأس الخيمة): فليكن رائدنا من الآن العمل على الاكتفاء الذاتي في كل احتياجاتنا, والاتجاه الى انتاج ما يخفف عمليات الاستيراد بل والسعي لانتاج ما يعود علينا عند تصديره باموال تدعم مشروعاتنا الوطنية وتزيد الدخل في خزائن الدولة لتستمر وتيرة التنمية بنفس انماطها فيما مضى من سنوات. تعمير الصحارى ــ سعيد مصبح سالم بن خضيبة (من الشارقة): لقد ركزتم على التصنيع وهذا جيد بلاشك, لكننا بحاجة كما قلنا وكما يقولون الى تعدد مصادر الدخل وتنوعها, ولهذا فإن الاتجاه الى الارض فيه اكبر مصدر للخير. ولكي اوضح فكرتي او رأيي اقول اننا بحاجة الى بدء مشروع عملاق لاستصلاح الاراضي وزراعتها, فقد نجحنا في تحويل اماكن كثيرة في وطننا من صحراء جرداء الى مزارع منتجة وبساتين مثمرة.. اننا بالفعل بحاجة الى قيام مؤسسة او هيئة لتعمير الصحارى بدءا من استصلاح الارض وانشاء المزارع بها وحتى اقامة المجتمعات السكنية فيها والتي يمكنها استقبال اجيالنا المقبلة, ان الكثير من الدول قد نجحت في اقامة المزارع العملاقة كما حدث في السعودية التي استطاعت ان تحقق اكتفاء ذاتيا في انتاج القمح بل وتصديره الى بعض الاقطار الشقيقة ايضا. التطور الشامل مطلوب ــ سعيد جمعة الجروان (من الشارقة): اؤيد تماما ما طرحه الاخوة سواء في مجال التصنيع او الزراعة وان كنت مؤمنا في نفس الوقت بان هذا يفرض علينا تطوير خطط التعليم بحيث يكون للمجال الفني فيه شأن آخر على قدر الطموحات المقبلة, والتحديات التي سوف نواجهها, وذلك يتطلب التوسع في التعليم الفني الزراعي والصناعي باقامة مدارس نوعية متخصصة بل واقامة معاهد عليا زراعية وصناعية مع تشجيع طلاب الثانوية العامة على الالتحاق بكليتي الزراعة والهندسة ولو بالحوافز المادية. ــ فهد خميس سعيد العبري (من تعليمية أبوظبي): ليس صعبا علينا أن نبادر ومنذ الآن إلى استثمار ما لدينا من معادن أخرى بإقامة مشروعات للتعدين يمكن لها أن تغطي احتياجات التصنيع خاصة من خام الحديد المتوفر بكثرة في جبال بلادنا. ــ محمد عيسى عباس العجمي (من تعليمية عجمان): حركتنا من الآن يجب أن تكون في كل الاتجاهات, وبخطوات محسوبة ومخطط لها جيدا, بل اني أرى أن نتوسع في تصنيع النفط ذاته بانشاء المصافي الضخمة اللازمة لعملية التكرير وهذا يحقق سعرا أعلى لما نصدره من نفط, ويقلل من مدفوعاتنا في شراء النفط الذي تنتجه بلادنا خاما وتشتريه مكررا. نحو خارطة جديدة ــ محمد أحمد عبد الرزاق العوضي (عجمان): انني أطالب بوضع خارطة جديدة لبلادنا تحدد فيها المواقع المؤهلة لقيام حركة تنمية جديدة في الصناعة والزراعة, وأتمنى أن نبدأ التنفيذ على الفور مهما كان ذلك مكلفا أو غير ملائم لظروف انخفاض أسعار النفط. ــ برهان عدنان درياني (من تعليمية أم القيوين): ان خطة جديدة لتأهيل شبابنا وطنيا تعتبر مطلبا هاما وأساسيا, ليت وزارة التربية تجعل من معسكرات العمل والانتماء برنامجا ثابتا ومتكررا على مدار العام أو تحوله إلى نشاط سنوي يلتحق به في دورات متتالية كل طلاب المرحلتين الاعدادية والثانوية وفق برامج واضحة المعالم والأهداف ويمكن قياس نتائجها بشكل عملي وواقعي وملموس. ــ عبد الله خلفان بن حضيبة (من الشارقة): إن ما يقوله زميلي برهان يجب أن يتبعه برنامج آخر يحقق استمرار تنمية الكوادر البشرية الوطنية بشكل أفضل, وبحيث تكون عوائده أشبه بجيش يحمل أفراده معدات البناء وأدوات الزراعة من أجل وطن يحب الجميع أن يبقى مزدهرا في كل الأزمان. العمل أولاً وأخيرا ــ فهر سالم الشحي (من تعليمية رأس الخيمة): ان كل ما سمعناه في هذا الملتقى النقاشي يشير الى ان العمل بجدية والتزام, هو المؤكد لمعنى الانتماء ومن لايعمل لإضافة لبنة إلى البناء الوطني فلن يكون بمقدوره الزهو بوطنه مهما امتلك فيه من عقارات, ومهما حقق فيه من ثروة. ويختم ناصر حميد دلمو ج الظاهري (من تعليمية العين) هذا الحوار الطويل بقوله: تحضرني الان عبارة طرأت على ذهني, وهي صحيحة الى ابعد الحدود ان البترول ايها الاخوة قد اسعدنا كشعب ومن واجبنا ان نتحاشا اية تعاسة قد يجلبها لنا, ولن يكون ذلك الا بجهودنا وسواعدنا وفكرنا كما اسلفتم جميعا. ثقة بافكار جيل ويجيء دور المشاركين في الحوار من ادارة معسكر العمل والانتماء بالفجيرة, فيعقب علي عبيد محمد الحفيتي مدير المعسكر (رئيس قسم الأنشطة التربوية بمنطقة الفجيرة التعليمية) فيقول: انني بالطبع سعيد بحضور هذه الندوة الطيبة, لأن ما دار فيها أعطاني الانطباع الجيد عن الشباب في الدولة, فالجلسة أضافت الكثير للحاضرين وأتاحت لهم فرصة التعامل بشكل عملي مع واقع حياتهم الحالية والمقبلة, وقد امتزجت هنا معارف الطلاب وآراؤهم, وأبرزت مدى ما يتمتع به طلابنا من وعي, ومن ثقة بالنفس إن هذه اللقاءات وضعتنا بالفعل وجهاً لوجه أمام أفكار جيل المستقبل, وأسفرت عن رؤية واضحة للأمور التي تهم المجتمع مما يبشر بالخير المأمول في هؤلاء الطلاب عندما يشغلون مواقع العمل والانتاج والمسؤولية في وطن يحلم بالمزيد من التقدم والتطور والازدهار. أما هلال عبد الله محمد (نائب مدير المعسكر ــ والموجه بقسم الخدمة الاجتماعية بالفجيرة) فيقول: ان مشاركة الطلاب في مثل هذه اللقاءات التي تطرح موضوعات حية ذات صلة بالهموم أو القضايا المجتمعية هي أهم عنصر في تأهيل الطلاب للعمل الوطني في المستقبل, فالطالب ليس مجرد متلق للعمل فقط, بل هو مواطن يعيش كغيره بين أفراد المجتمع, يتأثر بمجريات الأمور ويجب أن يكون صاحب رأي فيها أو فكرة عنها لأن ذلك يساعده على اختيار طريقه في السنوات المقبلة, ويحدد له مساره في رحلة المشاركة بجهده في خدمة وطنه.