هذا التخفي خلف الكمبيوتر والرافض من الناحية العملية لمنطق التطوير في إدارة البشر ثم ما يلي ذلك من الجزئيات الادارية اليومية التي لا تحل بالمواعظ القديمة ولا الاجراءات الجامدة والمعقدة العائدة إلى التعقيد في العقليات التي تأبى على التطوير ثم تريد في الوقت نفسه الحفاظ على مكانتها في السلم الإداري العالي وكذلك السمعة المصطنعة والهالة الزائفة التي لم تصمد لحظة واحدة تحت مجهر التطوير الذي لحق كل شيء. تعيش بعض المؤسسات تحت ضغط الأذى المعنوي والمادي الذي تمثله هذه الفئة البعيدة عن روح العصر المتغير, فتسعى جاهدة إلى بيان أن ما هي عليه من الأفكار البالية, هي الصحيحة وأن الجديد القادم ما هو إلا حبر على ورق يصعب تطبيقه, مع أنها ترى بأم عينها بأن تيار التطوير في نمط الادارة القديمة قادم سواء رضيت هذه الفئة أو رفضت ولو حافظت على مشاكساتها القديمة كلما سنحت لها فرصة ضئيلة لإبراز العضلات الفكرية التي ما زالت تعشعش في عقولها الرافضة من الأصل اتباع المنطق الواقعي لسنن التغيير في الحياة الادارية المعاصرة. بالمقابل يواجه صانع القرار في المؤسسة المؤمنة باستراتيجية التطوير الاداري في جميع جيوبها وأجنحتها مشكلة مستعصية تتعلق بضمانات التطوير أو بتيسير السبل التي تفتح المجال لكل العاملين بالمشاركة في هذا النمط الجديد من العمل, فمن ضمن هذه الضمانات هو البحث عن أنسب الطرق لإزالة بعض العقبات البشرية المتمثلة في الفئة التي لا تعيش إلا على ميراث الماضي البالي لدى المتعاملين معها والمتجدد لدى المبتلين به. فمن هنا تخرج إلى الساحة مشكلة إدارية معروفة في عالم الإدارة القديمة والحديثة ألا وهي إعادة توزيع الصلاحيات على الادارات والأقسام والمسؤولين عنها, أو حتى من الموظفين العاديين, وذلك بهدف تسليك وتبسيط الإجراءات لصالح المراجع أو المستفيد المباشر للخدمة. فتصطدم عملية الإعادة هذه بفئة من المسؤولين الذين كان جل همهم هو الاستحواذ على أكبر قدر من الصلاحيات سواء كانت تحت غطاء القانون أو بانتزاعها من أيدي السلطة العليا للمؤسسة بدعوى عدم وجود الشخص المناسب لتولي المهام المتعددة الأغراض, أو لنقص في الكوادر البشرية المؤهلة, مع أن هذه الحجج تتجه نحو البطلان كلما قامت المؤسسة بتوظيف عاملين جدد من أصحاب المؤهلات المتخصصة, والتي سوف تساهم حتما في خلال سنوات قليلة في إحداث نقلة نوعية محسوسة لدى كل المتتبعين لشأن المؤسسة التي عرفت بالجمود القاتل في الماضي القريب. هذا الظرف الجديد لايقنع صاحب المصلحة المباشرة في بقاء الأوضاع على حالها, لأنه يمكن جدا أن يتعرض لسحب الكثير من الصلاحيات التي كان يتمتع بها منذ سنوات زاعما لنفسه الأهلية لكل ذلك, رغم أن هناك شبه اجماع من العاملين تحت يديه بعدم قدرة هذا المسؤول القديم على مسايرة موجة التطوير التي بدأت تكتسح كافة المؤسسات بالدولة.