من حسن حظي ألا يفوتني متابعة البرنامج الأسبوعي عن مجالس الشعراء, فبحثت عما تحتويها من أسرار يجب الالتفات إليها من درر العقول والألسن, فهي لا تلقي شعراً نبطياً فقط, بل هي تنشر تاريخ المجتمع في الإمارات . فالقصائد التي تعد ليست أدباً خالصاً لأنها مزج من الحياة مما كانت وما زالت عليه معاش الناس في تعدد الأزمان, فصدق من قال بأن الشعر ديوان العرب وأكثر منه فائدة ونفعاً. فالمتأمل لما يلقى ويعد لايمكن أن ينظر إليه نظرة العابر, فالمهتم بالتاريخ الاجتماعي للدولة يجد فيه ما يشبع نهمه من هذا الجانب, فمن يعجب ويبهر بفضائل الأخلاق يجد ضالته في أبيات الشعراء وبالأخص ما يمس شغاف القلب ويأسر مشاعر الإنسان عند أول السماع وآخره. وما يميز هذا البرنامج من التراث الحي والمتجدد أنه لايقتصر الحديث فيه عن الماضي لأن شخوصه تمثل امتداد الماضي في الحاضر المعاش والعابر إلى نفوس الأجيال التي تبحث عن الأصالة التي تطرد الدخيل الضار على ما تعودنا عليه منذ نعومة الأظفار. ونريد هنا أن نبعد شبح الخوف عن شعر القافية بالتركيز على النبط فهذا جزء مكمل لشعر العروض ومن أراد أن يدقق في العبارات والمعاني المستعملة في سياق هذه المجالس الشعبية لايمكن أن يخرج بالانطباع الذي يسود لدى بعض المتوجسين خيفة على الشعر الفصيح, فلهذا مجال وللآخر مجال فكلاهما يؤديان أدوارا تكاملية بعيدة عن التضاد اللحظي الذي يلاحظه البعض. فالشعر النبطي المعروض على الملأ من خلال هذه البرامج الشعبية يعبر عن السليقة الصافية والمعاني الدفينة في قلوب هؤلاء وذلك بتعبيرهم أقدر على أدائه من غيرهم أصحاب القوافي الفصحى, علما بأن شعر النبط كذلك لايستبعد الالتزام بهذا النسق المقفى. وما يهمنا هنا هو التركيز على جانب العفوية والبعد عن التكلف في اختيار المجالات التي يلقى فيها حيثيات التراث الأدبي ويحوي الطابع الذي كانت الحياة سيّارة سواء في الزمن الماضي ومن هو ماض على ذلك الدرب رغم الصعاب التي تواجهنا بسبب ظروف الحياة المعاصرة, فمثل هذه المجالس الشعبية ــ لاحظ أنها سميت شعبية لالتصاقها بالجمهور المعني بالأمر ــ هي الخيط الرفيع الذي يربط أنفاسنا بأنفاس الذين مضوا من قبلنا وقد أدوا الأمانات بكل الطرق الممكنة. الجيل الحاضر والذي لم يذق طعم المخضرم في أشد الحاجة إلى الاستماع لما يدار في هذه المجالس التي تربط الانسان بحقائق تكاد تنفلت من بين أيدينا ونحن ننظر إليها ولا طاقة لنا بالإمساك بها. هذا الديوان الثري في شخوصه الذين ما زالوا يواصلون عطاء الماضي للحاضر حتى يستقيم العود ويعود الذوق الأصيل إلى الأحاسيس المرهفة والقلوب التي تستهوي جميل الفعال في كل الأزمنة. إن تربية شبابنا وأبنائنا في الحاضر بحاجة قصوى إلى هذا الزاد من التراث الشعبي الغني بأجمل المعاني في كل وقائع الحياة اليومية لأناس عاصروا الأزمنة بمرها وحلوها ولم يألو جهدا للحفاظ على هذه الشذرات التي تنثر علينا في أسبوع مرة أو مرتين حتى لا نغفل ما كنا عليه وما وصلنا إليه.