من منا لا يخطئ ومن منا يبقى على صوابه على طول مشوار الحياة ومن منا لا يراجع نفسه عند وقوع الخطأ منه تجاه الآخرين, وسنة الحياة لا تستقيم إلا بالتعامل مع أوجه الخير والابتعاد قدر المستطاع عن الشر الذي قد نكون سببا مباشرا في حدوثه أو بالمقابل هناك من يضع أمامنا وييسر بعض السبل للوقوع بنا والوصول إلى باب الشر ذاته وطرقه سواء شعرنا بذلك في وقته أو لم نشعر, فعند الوقوع لابد من دفع الثمن بشكل أو بآخر. فنزلاء السجون بالدولة هم وجه من هذه الوجوه التي وقعت في شر أعمالها وتمثلوا بالوقوف بين يدي العدالة لدفع الضريبة القانونية لأفعالهم وتحمل المسؤولية التامة عما اقترفت أيديهم من جرائم هم سعوا إليها أو هي التي سعت إليهم بتعدد أسبابها, المهم انهم الآن يقفون جميعا بين القضبان الحديدية, للاعلان علانية عن توبتهم العملية وفق هذه الطريقة الشرعية في دنيا البشر. ومع ذلك لا يجب ولا يمكن لنا أن ننسى بأن هؤلاء بشر في نهاية الأمر ولهم احتياجات إنسانية لا تختلف عمن هم في خارج هذا النطاق ويعيشون أحرارا طلقاء جزاء عادلا على التزامهم الدائم بسبل الاستقامة التي تعين على بقاء الإنسان بعيدا عن أبواب الشر رغم طغيانه وتشعب ألوانه واغراءاته لاصطياد الأبرياء باجراء المحاولة تلو الأخرى إلا ان غالبية الناس تنجو من حبائل الشيطان ومعاونيه من بني آدم. ورغم هذا وذلك فإن الأيدي الخيرة لبعض العاملين في مجال الخير العام في مجتمع الامارات لم تقف مكتوفة الأيدي أمام فئة نزلاء السجون في بعض مدن الدولة ومن أصحاب الحاجة الفعلية لبعض متطلبات الحياة التي لا يستغني عنها أي إنسان وان كان مصفدا بالسلاسل والأغلال. فها هي جمعية دبي الخيرية قامت مؤخرا وسعت بنفسها إلى نزلاء سجن المعمورة برأس الخيمة من أجل تعميرها بالخير بمناسبة رمضان شهر الخير وأيام عيد الفطر المبارك وذلك في بادرة ليست الأولى بالنسبة لها بل لها جهود سابقة في هذا الخصوص منذ سنوات وما زالت ماضية في المزيد لرفع المعاناة, عن مختلف الشرائح التي يتكون منها المجتمع في أي مكان وأي زمان. فخصت النزلاء بأنواع من الملابس والهدايا التي تناسبهم وتناسب موسم العيد في التوسعة عليهم واشعارهم بأن هناك من يذكر معاناتهم وحرمانهم وهم داخل السجن, وأن وجودهم في هذا المكان المؤقت لا يعني انهم منبوذون ومطرودون من أبواب الرحمة وهم في أشد الحاجة إلى من يمسح من عيونهم دمعة الحاجة المحبوسة بين جفونهم وجفون ذويهم الذين ينتظرون على أحر من الجمر ساعة الفرج التي يطلق فيها سراحهم للعودة إلى أحضان أزواجهم وأولادهم ووالديهم وممارسة الحياة الطبيعية مثلهم مثل غيرهم من الطلقاء الأحرار. مثل هذه الخطوات البيضاء لها آثار ايجابية على نفوس هؤلاء الذين يدفعون سنوات من عمرهم من أجل أخطاء وقعوا فيها بمحض إرادتهم وعدم قدرتهم في ساعة ضعف إنسانية (وخلق الإنسان ضعيفا) أبعدتهم عن سلم الأسوياء في تلك اللحظة, فلا شك بأن اهتمام الجمعيات الخيرية بشؤونهم الاجتماعية له دور كبير في تثبيت هؤلاء على طريق الصواب بعد خروجهم إلى ساحات المجتمع الرحبة وبعد أن تفتح صدور الأقرباء في استقبالهم لبدء حياة جديدة ونظيفة تغير من نظرة أفراد المجتمع من كونهم أصحاب سوابق إلى الاعلان عن استعدادهم التام لاصلاح الخلل في نفوسهم أولا ثم في بقية الخطوات التي سوف تساهم لوضع الأمور في أماكنها الصحيحة.