لو أخذ احد الرسامين ممن يتقنون فن الريشة للحركة في الأماكن العامة التي تتكالب عليها الناس في ليالي المناسبات السعيدة والتي منها ليلة العيد والتي ينتقل فيها الناس على وجه العموم من الصفوف الامامية في المساجد التي كانت عامرة بهم الى الصفوف الأمامية لواجهات المحلات التي تتناوش عليها الأيادي لالتقاط الجديد قبل ان يقوم الآخرون بالاستيلاء الشرعي عليها لذا يتطلب التبكير في الدخول الى الاسواق على امل ان ينال الانسان مراده من ثمار البضائع الجديدة ومع التبكير قد يعود الواحد منا وفي النفس بعض مما لم تتكرم المحلات بتلبية أذواق الناس التي لا يحدها حد ولا يشبع نهمها شيء. ولو تم عرض ما أتم الفنان رسمه بريشته المبدعة من صور حقيقية عن طريق العرض السينمائي لرأينا منظراً عاما لأمواج من البشر والسيارات تتحرك بصورة متناغمة نحو الزحام وقد اتعب ذلك اقدام السائقين من كثرة استخدام الكوابح حتى تتحول الأرجل الى آلات اقرب الى جهاز الريموت كنترول تتحكم فيه عين السائق كلما لمح من بعيد أثراً للزحام سواء كان قريباً او بعيداً او حتى سراباً فالأمر في كل الحالات مربك لان العقل الباطن استوعب في تخزين الرقم او الحرف السري للزحام فأي تلويح او رسالة عابرة توحي بوجود اي نوع من انواع الزحام فسرعان ما تلبي القدمان تنفيذ ذلك الايحاء اللاشعوري. تختصر ليلة العيد في لحظة الزحام في صورة واحدة تتكرر مشاهدها المتشابهة في وجوه الناس واحياناً بأشخاصهم ومعداتهم وهم يطوفون حول المكان الواحد مرات تلو مرات حتى ان رد التحية أحياناً على بعض من نلقاهم من المعارف تصبح وتتحول الى ابتسامات عريضة لا تخرج عبرها كلمات محددة الا علامات التعجب الواضحة على وجوه الجوالة مضافة الى الجوال المعروف. ولا نريد ان ننسى ذلك الفنان القدير الذي اصطحبناه معنا في السطر الأول من هذا الحديث فهو لن يتعب في عملية الرسم وانتقاء المشاهد كثيراً لأنه سوف يحتار أثناء عملية الاختيار كثيراً فلن يجد للتعدد مكانا لرسوماته حتى يصل الى درجة الملل الذي يقتل في نفسه الطموح الذي وضعه امام ناظريه قبل أن يختار هذا المكان له صيداً فنياً ثميناً, فلن تكون اللوحة التي سينتهي من رسمها وبسرعة فائقة, فاقت لديه كل اللوحات السابقة والتي حازت على اشهر الميداليات الذهبية والفضية والبرونزية لان المهم الميدالية ولا يهم اللون اذا كانت المسألة تتعلق بالفوز او الخسارة. فبمجرد ان يضع فناننا ريشته على لوحته البيضاء حتى يفاجأ بأحد المتسوقين يطرق بيديه على ظهره كالطرق على الباب لو سمحت تحرك شوي من فضلك حتى اخرج سيارتي من الموقف, فيضطر الفنان الهمام ان يبلع فكرته قليلاً لكي يبحث له عن مكان آخر, فكلما بدأ في الرسم او التفكير في وضع اللمسات الاولية للفكرة على اللوحة جاءه النذير مرة ومرتين في حركة دائمة يبحث عن مكان أنسب فهو هكذا دواليك في انتقال بين عقارب الساعة حتى لا تبقى في ذاكرته صورة لشيء يرسمه الا لموقف يتيم يضع عدته فيه فلا يتمكن من رسمه على الورق ولا الحصول عليه في الطرق.