نسمع عن زكاة المال والجاه والعلم كثيرا ولا ننتبه لزكاة العيد إلا قليلا, فزكاة المال فرضا أو طوعا جعل الله لها ثمانية أوجه شرعية معروفة, وزكاة الجاه تطال الشفاعة لقضاء حوائج الناس اليومية, وزكاة العلم في مسح الجهل من ربوع المجتمع أما زكاة العيد فيأتيكم منه من حيث تعملون . فزكاة العيد لها فروع شتى يلزم ببعضها بعض الناس ويتخلف عنها البعض الآخر مع أن مناسبتها محددة سلفا من وحي الزمان والمكان, فعلى رأس هذه الفروع تقع منزلة الإحسان الى الخلق فهو الوسيلة الضامنة لاسر قلوب الغرباء قبل الاقرباء, فمن لم يتقن الاحسان ويمارسه في العيد فهو في غيره أبعد وأندر. كما قال الشاعر: أحسن الى الناس تستعبد قلوبهم لطالما استعبد الإحسان إنسان هذا النوع من العبودية الإنسانية فرع من العبودية الإلهية العامة في مراعاة حق الله تعالى الموضوع في رقاب العباد فمن هنا كان الإحسان في العبادة يأخذ هذا المعنى الدقيق عندما طرح السؤال المعروف ما الاحسان؟ فكانت الاجابة: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فهو يراك. فهو قمة الإتقان في أداء العمل الخفي الذي يرجو فيه الانسان وجه الله جل في علاه (إنما نطعمكم لوجه الله لانريد منكم جزاء ولا شكورا) هذا التجرد المحض نحتاجه جميعا في أيام العيد بالذات لأننا نمر بمرحلة من القطيعة الاجتماعية لم نسمع عنها من قبل. فهل سمعتم عن ولد لايزور والدته وهي تسكن في داره إلا في العيد مرة ولن تتكرر المرة الثانية إلا في يوم وفاتها إذا كان قبل حلول عيد الأضحى المبارك, ان هذا الفعل الاخرق من قبل البعض واقع ملموس لو سبرنا أغوار الحياة الاجتماعية لامثال هؤلاء القساة من أشباه البشر. ثم بعد هذا نطلق أقلامنا للريح كتابة عن حال المجتمعات الغربية التي يصل الفرد فيها أرحامه في كل سنة مرة ببطاقة مفادها (سنة جديدة ياأماه) ودون أن يراها لسنوات ومع ذلك يتمنى لها حياة اسعد وأطيب في السنة القادمة, كيف تسعد وتهنأ بطول أمد القطيعة؟ لانعلم. فأقرب وأسرع عبادة مباشرة يمارسها الفرد أو المرء بعد انتهاء رمضان يجب ان تكون الارتماء بين أقدام الوالدين ولثم رأسيهما تقبيلا وتبجيلا واحتراما لان الرحم معلقة بعرش الرحمن فمن وصلها وصله ومن قطعها قطعه, من تعرض لقطيعة الرحمن فلا تنفعه بعد ذلك كل صلوات بني الانسان. هذه الزكاة الاجتماعية لابد أن تكون في قمة الواجبات التي يجب ان تؤدى على الفور ودون أدنى تأخير, إذا أردنا ان نثبت بأن لرمضان في اخلاقه امتدادا في افعالنا القادمة تجاه أقرب الناس إلينا. ومن بعد الوالدين الكريمين يمتد خيط الوصل الى كل الناس وفق تدرجهم في السلم الاجتماعي وذلك دون الإخلال وتداخل الخيوط بين الشقيق والصديق والجار القريب بالعابر الغريب, فلكل واحد من هؤلاء من الإحسان المقدر نصيب وعلى العاقل في أيام العيد حسن التوزيع من خير الصلات على كل من تطاوعه نفسه في الوصول اليه ويمر أمام ناظريه ولو كان من فئة خدم المنازل وإياكم والتصديق المطلق الذي يرن في آذاننا منذ الصغر للمثل القائل (اتق شر من أحسنت إليه) لأن الاحسان مطلق والتطبيق نسبي بين البشر.