في اليوم قبل الاخير من رمضان وقبل تحديد العيد يعيش الصائم بين شعورين مختلفين في يوم واحد, فهو حزين لوداع هذا الشهر, وحزنه نابع من الشعور بالتقصير تجاه أداء واجبات الشهر على الوجه الأمثل, وقد عقد الآمال العراض لتغطية كل جزئيات العمل الفاضل في هذا الشهر الفضيل . وليس هناك مجال للمفاضلة بين اشهر السنة في توفر فرص الخير العديدة وبصورة ميسرة لا يمكن توقعها في بقية ايام السنة, وهي تسعى اليك دون ادنى جهد منك ومع ذلك نجد من الصائمين من لا ينتهز هذا الظرف الفريد لضمان الرصيد المطلوب ليوم لا ريب فيه. ومع قناعتنا بأن فعل الخير لا يرتبط بزمان أو مكان معينين, فمن نواه في اي وقت او اية لحظة من حياته فالأمر اليه الا ان للزمان والمكان افضال وميزات تختلف عن الشهور الاخرى, وهذا ما يضيف الى بعض القلوب حسرة اخرى لفوات الفوت قبل سماع الصوت وهذا ما لا يمكن ضمان عودته في الاعوام المقبلة وذلك لاستحالة ضمان الاعمار في الازمنة الفاضلة. ووسط هذا الاحساس تتداخل مشاعر البهجة والفرح بقدوم العيد السعيد وهو الجائزة الفورية لكل من صام رمضان وأدى جميع حقوقه كل حسب جهده واجتهاده وسعيه. فالعيد مكافأة لمن احسن العمل وأجاد الفعل, فالفرح هنا في حقه واجب, وليس لهذا الامر علاقة لمن يريد ان يحول أيامنا الى مآس واتراح ويصب جام غضب مشاعره السلبية على أوضاعنا غير السارة, فهذا امر والعيد والتمتع به امر آخر لا نود لمشاعرنا الذاتية ان تعيش خلالها وفق نظرات سوداوية. فالعيد يعطينا الملكة والقوة للفصل بين حياتنا وفق الاحاسيس المتجددة لتجدد مسارات الحياة في تكوين الانسان ذاته بحيث لا نخلط الحزن بالفرح او العكس, فمهما كانت الحياة صعبة والأمور ليست على ما يرام فلا بد لنا من وقفة استراحة تتخللها الافراح ولو تكلفناها واجبرنا أنفسنا عليها, وبغير ذلك لا يمكن لنا ان نعمر الكون, فالحياة لم تكن في يوم ما بلون واحد, فهي منذ الخليقة تتداخل فيها جميع الوان الطيف وبدونها يحل الظلام المغلف بالسواد. يأتي العيد ليقوي في قلوبنا الامل بأن لكل ضيق فرجة لا بد من انتظارها حتى تحل علينا وان كنا لا نعرف وقتها لان كشفها من لدن صاحب الغيب, فالعيد علامة عليها لذا لا يملك احد ولم يجرؤ احد على مر الزمان ولن يجرؤ احد في الايام اللاحقة على الغاء هذه المناسبة من حياة الأمة العربية والاسلامية بدعوى ان المصاعب غدت اكبر من المسرات مع وجود من يتعامل مع الحياة وفق مفهوم الالغاء في كل شيء لانه لا يحتاج الى جهد كبير وعمق في التفكير وعلى هذا فكل ما لا يعجبك يمكن ان تلغيه ولا تبالي وان كان في نظر الآخر من أغلى كنوز الدنيا. ومن رحمة الله بنا ان الكون وما يحتويه لن يخلق وفق أمزجة البشر وأهوائهم ويأبى الله سبحانه وتعالى الا ان يجعل عيده سعيداً رغم أنف المتشائمين الذين يعيشون خلاف البشر حين يهل عليهم هلاله ان يفرحوا ويبعدوا عنا نسمات اليأس السموم ولو لأيام معدودات فنسأل الله تعالى ان يجعل جميع الاعياد برداً وسلاماً على قلوبنا.