سن الحدث قضية شغلت اهتمامات الاجهزة القضائية والامنية والاجتماعية في الآونة الاخيرة .. واختلفت الآراء وتباينت حول تحديد السن القانونية المناسبة للتعامل مع فئة الاحداث وفقا لاحكام القانون الخاص بهم, وما جاء به من عقوبات مخففة واسلوب لمعالجة جنوح الحدث وانحرافه ومحاولة تقويمه وردعه . فالرؤية الامنية في هذه القضية تتسم بالشمولية والموضوعية وتضع صوب أعينها المستجدات العصرية والمتغيرات المتلاحقة على انها عنصر رئيسي في ضرورة اعادة النظر في (سن الحدث) المعمول به حاليا, والنزول به من 18 الى 16 سنة او حتى 15 عاما, وتستند في ذلك الى تطور الجريمة واستحداث اساليب غريبة في تنفيذ جرائم الاحداث لم نرها من قبل او نعهدها في مجتمعاتنا على نحو يهز كيان المجتمع احيانا, ويعجز القانون عن الردع الكافي لمرتكبيها ... بالاضافة الى ظهور عصابات منظمة تستغل الاحداث في تنفيذ خططها الاجرامية البشعة مثل القتل وترويج المخدرات وممارسة الدعارة وغيرها, على اعتبار ان الفاعل في نهاية الامر مجرد حدث, وسيحاكم وفقا لقانون الاحداث بتدابيره المخففة والتي لم تعد تتواءم مع خطورة وبشاعة جرائم الاحداث التى تتوازى مع جرائم المجرمين البالغين وعتاة الاجرام الامر الذي من شأنه تهديد بنية المجتمع الاساسية خاصة مع تزايد المعدلات العالمية لجرائم الاحداث يوما بعد آخر. وعلى جانب آخر يرى المتخصصون في العلوم الانسانية والاجتماعية ان الاحداث ضحايا لمجتمع بأكمله ولم يأت جنوحهم الا نتيجة للاهمال وعدم الاهتمام بالدور المنوط باولياء الامور المسؤولين بشكل مباشر عن رعاية شؤونهم ... وبدلا من البحث عن الشدة في عقابهم وردعهم بقسوة على اخطائهم ينبغي معالجة اصول وجذور المشكلة التي ادت الى النتائج السيئة ... بل ويطالبون على نقيض مايراه رجال الامن بضرورة رفع سن الحدث الى 21 عاما ودليلهم على ذلك اختلاف الدول والانظمة في تحديد السن المناسبة للاحداث. والاسئلة تطرح نفسها في هذا الاطار: هل نحن بالفعل في حاجة ماسة الى تعديل سن الحدث توافقا مع المتغيرات الجديدة وما تفرضه طبيعة العصر الحالي؟ وكيف نستطيع وضع حد لاستغلال العصابات المحلية والدولية للاحداث في تنفيذ جرائمهم الخطيرة والمنظمة؟ ثم الا تستدعي الجرائم الخطيرة والغريبة على مجتمعاتنا الاسلامية اعادة النظر في تحديد سن الحدث؟ وهل التجارب التي يمر بها المجتمع والقائمون على تنفيذ العدالة فيه تتطلب قانونا اكثر ردعا للاحداث الجانحين؟ وكيف يمكن ان تسير خطط الرعاية الاجتماعية الشاملة وتوجيه وتوعية الاسر واولياء الامور لمخاطر انحراف الاحداث جنبا الى جنب مع تعديل سن الاحداث حتى يؤتي العقاب الرادع ثماره في الحد من الجريمة والتفكير فيها؟ وهناك العديد من الاسئلة الجديرة بالبحث على المستوى القضائي والتشريعي والاجتماعي طرحتها (البيان) على المختصين والمسؤولين في هذا المجال, وسعت الى رصد الآراء المتعددة في هذه القضية الهامة من خلال هذا التحقيق. النظام القانوني القائم في البداية يوضح المستشار حافظ ابو سليم رئيس المكتب الفني للنائب العام - دبي ان النظام القانوني القائم في دولة الامارات المطبق على الاحداث هو القانون الاتحادي رقم 9 لسنة 76 في شأن الاحداث الجانحين والمشردين. وبمطالعة المادة الاولى منه نجدها تنص على انه يعد حدثا في تطبيق احكام هذا القانون من لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره وقت ارتكاب الفعل محل المساءلة, او وجوده في احدى حالات التشرد. وايضا نجد قانون العقوبات الاتحادي لسنة 87 قد عامل من يجاوز الثامنة عشرة وحتى الحادية والعشرين من عمره, وهي فترة (حداثة السن) التي تلي سن الحدث مباشرة وفيها لايكون النضج اكتمل باعتبار ان ذلك يعد عذرا مخففا للعقاب, اذ نصت المادة 96 من هذا القانون على ان (يعد من الاعذار المخففة حداثة سن المجرم) ويترتب على تحقق عذر حداثة السن, ان المحكمة تنزل بالعقوبة عملا بالمادة 97 من ذات القانون, اذا كانت الواقعة جناية الى عقوبات اقل جسامة بكثير من تلك التي توقع على المجرمين ممن لايتوافر فيهم عذر حداثة السن. على ان محكمة التمييز بدبي, قد استقر قضاؤها على ان حداثة السن هي الفترة التي يجاوز فيها المتهم الثامنة عشرة وحتى بلوغه الحادية والعشرين من عمره. ولا يخفى على احد من المشتغلين بالقانون ان التدابير التي توقع على الاحداث الذين لم يبلغوا وقت ارتكاب الجريمة السادسة عشرة من عمرهم, تدابير نصت عليها المادة (15) من قانون الاحداث والتي تبدأ بالتوبيخ او التسليم لولي الامر, وتنتهي بالابعاد عن البلاد بالنسبة للوافدين. اما اذا اتم الحدث السادسة عشرة من عمره, وارتكب جريمة معاقبا عليها في قانون الجزاء او اي قانون جنائي آخر, جاز للقاضي ان يحكم باتخاذ مايراه من التدابير المنصوص عليها في هذا القانون بدلا من العقوبات المقررة. وقد نص القانون ايضا بعدم الحكم على الحدث بعقوبة الاعدام أوالسجن او الغرامات المالية, واذا كانت الجريمة التي ارتكبها الحدث معاقبا عليها بالحبس لايجوز ان تزيد مدة الحبس التي يحكم بها عليه, عن نصف الحد الاقصى المقرر لها اصلا, كما نصت المادة 12 من ذات القانون. اما اذا ارتكب الحدث اكثر من جريمة قبل الحكم عليه في احداها, وجبت محاكمته عنها كواحدة على ان يحكم بالعقوبة المقررة للجريمة. عقوبات هينة ويضيف انه من الملاحظ ان المشرع قد ميز الاحداث بتدابير واجاز توقيع عقوبة الحبس في حدود معينة وذلك لحكمة توخاها من ان يريد الا يقسو على هذا النوع من المتهمين, ولكن يردهم اعضاء نافعين في المجتمع بدلا من ان يصبحوا عالة عليه في حالة توقيع العقوبات المغلظة بشأنهم. واذا كانت هذه العقوبات التي اشرنا اليها مناسبة للاحداث وظروفهم وقت اصدار هذا القانون المشار اليه .. الا ان تطور وسائل الاعلام والاذاعات المرئية, ودخول الدول في عالم الانترنت , ومانراه من اشتراك الاحداث في نوعيات من الجرائم المنظمة والخطيرة ... الامر الذي اصبح معه سن الحدث المعتد بها الآن قانونا على نحو ما اشرنا غير مناسب لظروف العصر الحاضر او تحقيق الهدف منه وهو حماية الاحداث من الولوج في طريق الجريمة. لذا نقترح تعديل سن الحدث ليكون الحدث هو من لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره وقت ارتكاب الفعل محل المساءلة... ويكون مجال اعمال الاعذار المخففة المنصوص عليها في المادتين ,96 97 من قانون العقوبات الاتحادي لسنة 87 هي الفترة لمن تجاوز الخامسة عشرة حتى الثامنة عشرة وبالتالى فإن هذه السن تعتبر مناسبة نظرا لطبيعة العصر وسرعة ايقاعه وتلاحق متغيراته... وحرصا على الشباب الاحداث ولينهض المشرع باعادتهم الى المجتمع اعضاء صالحين. نوعية الجرائم ومن واقع عملي لا اجد ان هناك فرقا بين نوعية الجرائم التي يرتكبها الاحداث عن تلك التي يرتكبها المتهمون البالغون في السنوات الاخيرة ويتضح ذلك بصورة جلية من خلال نوعية القضايا التي تعرض علينا ويتهم فيها احداث منها جنايات القتل والاغتصاب واللواط والسرقات بالاكراه وسائر الجرائم الاخرى ومن ثم فإن هؤلاء الاحداث يحتاجون الى حماية المشرع وسرعة ضمهم الى المجتمع. ويؤكد المستشار حافظ ابوسليم ان التشريع وحده غير كاف لاصلاح الحدث وان كان هو حجر الزاوية الذي تبدأ منه سائر الاجهزة الاخرى عملها حتى تصبغ عملها بالشرعية, ولكن هناك ادوار لا تقل اهمية عن دور التشريع في تقويم الحدث وعدم انحرافه لعل اهمها دور الاسرة قبل وبعد الالتحاق بالمدرسة ثم دور المدرسة والجامعة والمؤسسات الدينية ودورها في توعية الشباب وتبصيرهم بأمور دينهم, واقناعهم بعدم التردي في الرذيلة وايضا دور الاجهزة الامنية المعنية ووسائل الاعلام المختلفة كل حسب المسؤولية المنوطة اليه ويجب على تلك الاجهزة ان تعمل في تنسيق وانسجام اذا اردنا للاحداث الحماية والصيانة. ويشير الى انه من مظاهر رعاية الاحداث بالقانون ان التدابير والعقوبات الخاصة بهم تنفذ في اماكن ايداع تخصص لهم, مهمتها اصلاح الحدث وتهذيبه وتعليمه حرفة تفيده وتفيد المجتمع ولا تنفذ تلك العقوبات مع البالغين في السجون العادية حتى لا تتأثر بذلك سلوكياتهم ومن ثم فإن معاملة الاحداث في مجتمعنا معاملة انسانية تتفق مع ظروف سنهم وتقويمهم. وفي بعض البلدان نجد ان المشرع انشأ محكمة خاصة تسمى محكمة الاحداث وفي دول اخرى (محكمة الطفل) ونصت قوانين تلك الدول على تشكيل معين في المحكمة يضم اخصائيا اجتماعيا ورجل امن مسايرة للحكمة التي تتوخاها تلك التشريعات من الوقوف على اسباب ظاهرة انحراف الحدث لانزال التدبير المناسب لكل حالة على حدة حتى تقف المحكمة منها على ظروف الجانحين واحوالهم المعيشية ودوافعهم على ارتكاب الجريمة. والحق يقال ان محكمة الجنح في دبي التي تحاكم الاحداث تقف على احوالهم من واقع تقرير الاخصائي الاجتماعي الذي يعده عن ذلك الحدث وفقا لما هو منصوص عليه في قانون الاحداث الجانحين والمشردين المشار اليه. اسباب جنوح الاحداث ويرجع رئيس المكتب الفني للنائب العام بدبي جنوح الاحداث الى العديد من الاسباب قد يكون الباحثون الاجتماعيون اكثر وقوفا عليها ولكن بصفة عامة فان جناح الاحداث يقع نتيجة الاهمال في الوصول بهم الى السلوك القويم وهي مسؤولية جماعية للمنزل والمدرسة والاجهزة الاعلامية والتربوية وسائر الاجهزة المتصلة بالاحداث بحيث اذا قام كل منها بدوره تجاه هذه الفئة لاستطعنا ان نصل بهم الى بر الامان. ويضيف انه من واقع احصائية عن القضايا المحكوم فيها بمحاكم دبي الخاصة بالاحداث نجد ان عدد القضايا انخفض في عام 97 عن معدلاته في عام 96 بنسبة 20% ثم عاد للارتفاع عام 98 بنسبة اكثر من 30% على ان متوسط نسبة قضايا الاحداث المحكوم فيها عن السنوات الثلاث ,96 ,97 1998 هي 154 قضية... وهي نسبة تكاد تكون قليلة ومبشرة بأن شبابنا من الاحداث بخير والحمد لله. ويخلص المستشار حافظ ابوسليم الى القول بأننا نهيب بالمشرع الى التدخل بتعديل سن الحدث بحيث لا تتجاور الخامسة عشرة من عمره وقت ارتكاب الفعل محل المساءلة وتكون بالتالي الاعذار المخففة لحداثة السن لا تتجاوز الثامنة عشرة كما اشرنا وذلك لضمان عدم انزلاق الاحداث في بؤرة الاجرام. بذرة الشر ويؤكد المستشار محروس عبدالحليم رئيس محكمة الجنايات بدبي ان عدم ردع الحدث مبكر ا في حالة جنوحه يزرع فيه بذرة الشر ويخلق منه مجرما يعتاد الاجرام. فمن المعروف ان هدف العقوبة هو الردع الذي ينقسم الى عنصرين رئيسيين الاول خاص بردع المجرم نفسه ومنعه من التفكير مرة اخرى في الجريمة والثاني العام والهدف منه ردع الآخرين وتوضيح العواقب الوخيمة لاقتراف طريق الجريمة وان كل سلوك اجرامي لابد له من نهاية مؤلمة لمرتكبيه او من يفكر فيه. ويقول ان قضية تحديد سن الحدث تشغل بال القائمين على القانون منذ سنوات طويلة, فسن 18 عاما المحددة بالقانون الاتحادي رقم 9 لسنة 76 شأن الاحداث والجانحين والمشردين يعتبر مرتفعا الى حد كبير فمن غير المعقول ان نعامل سن 16 عاما على انه بالغ فيما عهد اليه طبقا لقانون المعاملات المدنية, ويسرى عليه ما يجري على التجار الكبار في الوقت الذي نستمر في التعامل معه كحدث حتى 18 عاما حين يرتكب جرائم في حق المجتمع طبقا لقانون الاحداث المعمول به في اغلب دول العالم. وفي اعتقادي انه لا يتواءم ولا ينسجم ان نعامل نفس الشخص في حالة على انه بالغ واخرى على انه حدث. وبالتالي ارى النزول بسن الحدث من 18 الى 16 عاما وهو نفس ما ناديت به في الندوة التي نظمتها القيادة العامة لشرطة دبي عام 94 لمناقشة انحراف الحدث بشكل عام وكيفية القضاء على السلوك الاجرامي للاحداث ومن بين ما اقترحته في هذه الندوة اهمية اعادة النظر في تقدير سن الحدث القانونية وتخفيضها الى الحد الذي يسمح بالا يعامل كحدث الا من كانت سنه تستوجب هذه المعاملة وتتوازى مع العقوبات المخففة الواردة في نص قانون الاحداث واكدت على ضرورة ان تكون سن الحدث (14) عاما وهو ماسبقتنا اليه نظم قانونية كثيرة من بينها مصر حيث كان سن الحدث الى 16 عاما وفي بداية الثمانينات صدر قانون جديد لتخفيض هذه السن الى 14 عاما. واضافة الى المبررات في ذلك فإن قانون العقوبات قد جعل من حداثة السن عذرا قانونيا يترتب على تحققه النزول بالعقوبة المقررة للجريمة اصلا الى الحدود الواردة في المادة 97 من القانون وهذه العقوبات تتيح للقاضى اصدار العقوبات التي يراها مناسبة لتقويم المتهم الذي يتوفر في شأنه ذلك العذر وهي عقوبات اجازت المادة السابقة للقاضي النزول في بعض الجرائم من عقوبة الاعدام مثلا الى الحبس الذي لا تقل مدته عن سنة مثل جرائم الاتجار في المخدرات او تهريبها او القتل او الاغتصاب. ومن السجن المؤبد الى الحبس الذي لا يقل عن ثلاثة شهور وفي ذلك ضمان معاملة المتهم في حالة صغر سنه بالصورة التي تقوم سلوكه ومن ثم فلا ارى اي تخوف من تخفيض سن الحدث الى سن معقولة والتي اقدرها بــ 14 عاما بدلا من (18) توافقا لظروف العصر الذي تفشت فيه الجريمة بين الشباب اعتمادا على ان الشخص الذي لم يتجاوز 18 عاما في حالة ارتكابه اي جريمة, فإنه سيحاكم طبقا لقانون الاحداث الذي جاءت العقوبات فيه على صورة تدابير غير مؤثرة في ردع الحدث وتقويمه مثل تسليمه لذويه او الاكتفاء بتوبيخه. اعادة النظر واضاف المستشار محروس عبدالحليم انه مما يدعو الى اعادة النظر في النزول بسن الحدث ايضا هو التفرقة في العقوبة بين متهم وآخر اذا ما ارتكب الجريمة جمعا من الشباب ممن تتقارب اعمارهم وهذا ملموس بوضوح من واقع العمل القضائي فنجد ان التفاوت في العمر, والسن بين احد المتهمين والآخر لا يتجاوز اياما ومع ذلك يعامل من تعدى الثانية عشرة بأيام معاملة المتهمين الكبار, ومن تقل سنه عن ذلك بعده ايام حتى لو بيوم واحد يخضع لاحكام قانون الاحداث مما يحدث مفارقة بين هذين المتهمين في قدر العقوبة على الرغم من تساوي مستوى الجرم اوخطورته. ولا يمكن اعتبار ان ذلك الوضع سينشأ حتما بعد النزول بسن الحدث على النحو الذي اقترحه وذلك لانه في تخفيض سن الحدث الى 14 عاما يكون من لم يبلغها في حاجة بالفعل الي محاكمته بنص قانون الاحداث الحالي اما من تجاوزها فانه يكون قد وصل الى مبلغ الرجال فاذا لم يتجاوز سن الواحدة والعشرين من عمره وهي السن التي حددتها احكام محكمة التمييز بدبي على انها هي السن القصوى لتوافر عذر حداثة السن الذي ذكرناه, وعلى ذلك يمكن للقاضي أن يوقع عليه العقوبة التي تتناسب مع عمره وقت ارتكابه الجريمة. ويشير رئيس محكمة الجنايات بدبي انه على سبيل المثال اذا ما كان عمر الحدث في ذلك الوقت متجاوزا 14 عاما بقليل, كان للقاضي الحق في ان يوقع عليه العقوبات المخففة الواردة في المادة 97 من قانون العقوبات بما يتناسب مع السن, وليس ذلك بغريب اذ ان قانون الاحداث الحالي نفسه قد تضمن احكاما تقضي بأن الحدث اذا ما تعدى عمره 16 عاما فان للقاضي الحكم عليه بعقوبة الحبس وفضلا عما ذكرناه, ارى اهمية تخفيض سن الحدث لمواجهة الظواهر الاجرامية التي بدأت تنمو وتنتشر بين فئة الاحداث ومنها استعمال الاطفال والشباب الذين تقل اعمارهم عن 18 سنة في ارتكاب جرائم الكبار اعتمادا على انهم سيحاكمون طبقا لقانون الاحداث, كذلك الاتجار في المواد المخدرة وترويجها. فهذه الجريمة اذا ما ارتكبها الشخص البالغ فان عقوبتها الاعدام, اما اذا ارتكبها الحدث فعقوبتها لا تزيد عن التدابير المخففة الواردة في ذلك القانون, أو عقوبة الحبس التي لا تزيد عن عام, وهي لا تتناسب مطلقا مع عقوبة الاعدام ونوعية الجريمة نفسها وخطورتها, وبالتالي لا تؤدي إلى الردع أو تقليص جرائم الاحداث كما هو منشود. مشكلة متشعبة ويؤكد الرائد يوسف موسى علي مدير التحقيق الجنائي بالشارقة من وجهة نظره الامنية ان مشكلة الاحداث متشعبة بدولة الامارات وبحاجة إلى دراستها بصورة دقيقة ومتأنية, فهم يمثلون ما يقرب من 40% من مجموع السكان طبقا للاحصاء السكاني. وبالتالي يعتبرون طاقة رئيسية في المجتمع, وبحكم ان عدد السكان لدينا محدود, اصبح جنوح الاحداث ظاهرة واضحة. ومن الناحية القانونية, أرى أهمية تقليل سن الحدث من 18 ــ 15 لمحاولة ايجاد وسيلة ردع تحدث اثرا ايجابيا في الحد من جرائم الاحداث وبالاضافة إلى ذلك لابد ان نسأل انفسنا هل استطعنا في دولة الامارات الوصول إلى برامج علمية لعلاج ظاهرة جنوح الاحداث في مجتمعنا؟ وهو ما يقودنا إلى المطالبة بدراسة هذه الظاهرة والخروج بحلول عملية من واقع طبيعة المجتمع وافرازاته ومن ثم نبدأ في التطرق لقضية تخفيض السن القانونية للحدث مع الاخذ بعين الاعتبار المقومات التالية: أولا: ايجاد شرطة مختصة بالاحداث. ثانيا: تخصيص نيابة ومحاكم لقضايا الاحداث. ثالثا: ضرورة ان تتوافق امكانيات دور التأهيل والابداع مع متطلبات علاج الحدث انسانيا واجتماعيا بأسلوب عصري متحضر, ويعلل ذلك بان كثيرا من الاحداث يصبحون ضحية بصورة أو باخرى حينما يرتكبون اي اسلوب مخالف جنائيا حتى ان لم يرتق لدرجة الانحراف بالمعنى المفهوم, الا انهم بمجرد دخولهم مراكز الشرطة واختلاطهم بعتاة المجرمين واصحاب السوابق, وعبورهم عبر كل المراحل التحقيقية التي يمر بها المجرم المحترف الاجرام, بداية من رجل الشرطة, ووضع القيود الحديدية في يديه إلى نهاية الاجراءات حتى يقف امام القاضي مثل مجرمي المخدرات والقتل على سبيل المثال. وفي اعتقادي ان مثل هذه التجربة المؤلفة تعتبر بمثابة (مدرسة لتعلم الاجرام والسلوكيات الشاذة) التي ربما كانت غائبة عن ذهنه بالنسبة لعالم الاجرام في هذه المرحلة العمرية المبكرة. ويتساءل: هل هناك حدث في كل الدول المتقدمة والتي لابد ان نضع انفسنا من بين تصنيفها بحكم امكانياتنا الثقافية والمادية ـ يمر بهذه المراحل التحقيقية لحين توبيخه أو تسليمه لولي امره أو حتى وضعه في دار رعاية الاحداث؟ والاجابة بالطبع انه لا يحدث ذلك على الاطلاق نظرا لحرص تلك الدول على تصنيف سن الحدث ووضعه في الاطار العلمي والقانوني المناسب له بما يكفل حمايته من اعتياد السلوكيات الاجرامية, على عكس الوضع القائم في مجتمعاتنا العربية من حيث اسلوب او اجراءات التعامل مع الحدث التي تساهم في كسر الحاجز النفسي ما بين الجريمة واقبال الحدث عليها بعد ان اعتاد التعامل معه مثل المجرمين الكبار دون فوارق تتناسب مع عمره أو طريقة علاجه. وبالتالي نساعد دون ان ندري في خلق مجرم كان من الممكن الحد من سلوكياته السلبية وتأهيله لينخرط في المجتمع بصورة سوية كأي فرد عادي. ويسوق الرائد يوسف موسى بعض الامثلة في سوء الاجراءات المتبعة مع الحدث حيث لا يوجد الاخصائيون الاجتماعيون المؤهلون, أو نيابة وقضاء متخصص للنظر في اسباب ارتكاب حدث عمره صغير لجرائم بالبشاعة والخطورة التي نسمع عنها. فاحيانا تواجهنا كرجال امن بعض جرائم الاحداث التي يتبعون فيها اساليب اجرامية متطورة غريبة وغير مألوفة بالنسبة لمجتمعاتنا أو هذه المراحل العمرية. قانون جامد ويشير إلى اهمية اعادة النظر في قانون التعامل مع الاحداث بدولة الامارات, لانه قانون جامد ويحتاج إلى معالجة شاملة, مع ضرورة الاخذ بتجارب الدول المتقدمة في هذا المجال, وعلى ذلك لا ننصح بتغيير السن القانونية للحدث في المرحلة الحالية دون ان تتواكب مفاهيمنا وقوانينا مع المتغيرات والمستجدات العصرية, خاصة في ظل الانفتاح الاعلامي والفضائيات وتطور المستوى الفكري بشكل عام حتى بالنسبة للاطفال والمراهقين, وهو ما يستدعي تحديد الهدف من المطالبة بتخفيض سن الحدث لان ذلك وحده لن يطوق الجريمة دون البحث عن حلول للحد من ظاهرة جنوح الاحداث في المجتمع, ثم نرصد النتائج من خلال الاحصائيات وهل استطعنا بالفعل اصلاح الخلل في سلوكيات الاحداث ام لا؟ ويوضح مدير التحقيق الجنائي بالشارقة ان دور رعاية الاحداث في الدولة لا يتفق برامجها مع الاصلاح والتأهيل المنشودين, فعلى سبيل المثال اذا تتبعنا (برنامجا يوميا) من داخل هذه الدور سنجد الاستيقاظ يبدأ من الخامسة صباحا, ثم الافطار والبرنامج الرياضي, وبعدها يواصل الحدث يوما مزدحما يشمل برامج مكثفة تتوازي في شكلها مع برامج المؤسسات العسكرية من حيث المهام والواجبات الجامدة القاسية دون مراعاة للعناصر والمعايير المدروسة التي تتوافق مع اصلاح الحدث. تطور الجريمة ويضيف انه من خلال عملي (كرجل شرطة) , ارى ان تطور الجريمة في جميع المجتمعات يجب ان يقاس بمعيارين كمي وكيفي. بالنسبة للكمي, فمعدلات الجريمة سواء للاحداث أو لغيرهم نجد انها طبقا للاحصائيات الجنائية في تزايد وبمفهوم امني يرجع ذلك إلى زيادة عدد السكان وتطور المجتمع مما ينعكس على تطور الجريمة, ولكن هناك معايير دولية متعارف عليها اذا ما طبقناها في دولة الامارات سنجد أننا في وضع امني ممتاز, ومعدلات الجريمة لدينا في الحدود العادية ولا تشكل خطورة. اما بالنسبة للكيف, ونقصد به الاساليب الاجرامية المستخدمة, فهنا يحتاج الامر إلى وقفة لاننا سنلاحظ دخول انماط معينة من السلوك الاجرامي المتطور في جرائم الاحداث بصفة خاصة وهذا يرجع بالطبع إلى الانفتاح وانتشار الفضائيات كما ذكرنا والذي يحمل جوانب سلبية بقدر ما يحدثه من ايجابيات, وهو ما يتضح في تطور جرائم الاحداث واتباعهم اساليب مرعبة احيانا تحتاج إلى اعادة تقييم لشكل جريمة الحدث في دولة الامارات وإلى أي مدى بلغت في خطورتها. فقوانين العقوبات المعمول بها حاليا في الدولة تتوافق مع هذه المرحلة والخلل ليس في القانون ولكن في اسلوب تطبيقه من قبل الجهات المسؤولة عن محاكمة الحدث. وفي هذا الاطار ومنذ ما يقرب من 4 سنوات عقدت القيادة العامة لشرطة دبي مؤتمرا موسعا عن الاحداث بشكل عام, وجاء من بين المقترحات الهامة ايجاد هيئة عليا لهم ممثلة من الدوائر الرئيسية للنظر في قضايا الاحداث, وهناك توصيات اخرى وابحاث قيمة ناقشها المؤتمر وكان من الممكن ان تساهم في معالجة ظاهرة جنوح الاحداث لو تم تطبيقها ولكنها ظلت حبيسة الادراج.