كتاب (روائع من أدب الدعوة في القرآن والسيرة) لفضيلة الشيخ أبو الحسن علي الحسيني الندوي, يضم مجموعة من المحاضرات تدور حول الدعوة وآدابها . وسوف نلقي الضوء على بعض هذه المحاضرات التي يضمها الكتاب, المحاضرة الأولى بعنوان (حكمة الدعوة ومرونتها ومجاراتها لكل بيئة وعصر), تحدث فيها فضيلة الشيخ الندوي عن القرآن الكريم وكونه كتاب هداية ودعوة قبل ان يكون كتاب أحكام وشريعة, فالهداية هي الأساس للإيمان, والدعوة هي الأساس لنقل هذا الإيمان, والدعوة لا يمكن ان تخضع لقوانين مرسومة وأحكام مضبوطة, لأن الدعوة التي تنطلق منها, والدعوة لها مساحات زمانية ومكانية واسعة جدا. ومن اعجاز القرآن الكريم انه لم يتعرض لأحكام تفضيلية في موضوع الدعوة وإنما وكلها إلى العقل السليم وإلى الذوق المستقيم, وإلى العقيدة الراسخة والفكرة المتغلغلة في الأحشاء, ثم أحاطها بسياج واسع, وهو السياج الوحيد الذي يستطيع ان يحيط بالدعوة كما في قوله تعالى: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ان ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين), نلاحظ أبعاد الاطلاق الذي جاء في هذه الآية في قوله تعالى: (ادع إلى سبيل ربك), ما حدد شيئا معينا وإنما تدعو الناس إلى الإيمان بالله وحده, أو تحثهم على الصلاة أو إلى مكارم الأخلاق, فالدعوة هنا دعوة عامة وشاملة لم يقيدها الدين بالدعوة إلى شيء معين دون غيره من تعاليم الإسلام, كما نلاحظ ان القرآن الكريم جاء بالكثير من النماذج والأمثلة التي تعتبر عنصرا هاما في مجال الدعوة. فهذه الأمثلة لها التأثير القوي في النفوس ما لا يكون لأي عنصر آخر من عناصر الدعوة سواء الكلامية أو النفسية, وأكثر هذه الأمثلة التي جاء بها القرآن مقتبسة من سير أربعة من كبار الرسل أولهم سيدنا ابراهيم عليه السلام, وثانيهم سيدنا يوسف, ثم سيدنا موسى عليه السلام, وخاتم الأنبياء محمد عليه الصلاة والسلام, وفي المحاضرة الثانية لهذا الكتاب تحدث فضيلة الشيخ الندوي عن دعوة سيدنا ابراهيم عليه الصلاة والسلام, وقسم دعوة سيدنا ابراهيم إلى نموذجين من نماذج الدعوة, نموذج دعوة الولد لوالده, ونموذج دعوته عليه السلام لقومه, حيث نلاحظ تنوع أسلوب الدعوة وتنوع فهم النفسية والدخول إلى أغوار النفس الإنسانية, وفي دعوة سيدنا ابراهيم عليه السلام لوالده قوله تعالى (واذكر في الكتاب ابراهيم انه كان صديقا نبيا, إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا), فنلاحظ في أسلوب دعوته عليه السلام لوالده نوعا من الرقة والبر والتواضع, وهذا يرجع إلى الذوق السليم, فحين خاطب أباه في قوله (يا أبت) أثار فيه الحنان الأبوي وقد تعمد عليه السلام هذه الكلمة ليصل بها إلى أعماق قلب والده, فآثار الحنان قبل الإيمان, لذلك لا ينبغي للداعي الحكيم ان يغفل هذا الجانب, وإذا أغفل هذا الجانب فقد أساء إلى نفسه ودعوته فقد قال تعالى: (ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك), فالرقة في الأسلوب والرحمة هما الطريق الصحيح للوصول إلى القلوب ودعوتها. كما تحدث فضيلة الشيخ الندوي عن دعوة سيدنا موسى عليه السلام وحكمته النبوية في دعوة قومه إلى دين التوحيد بالاضافة إلى مهمة انقاذهم من عذاب فرعون واضطهاده, فقد كُلف عليه السلام ان يقول لفرعون كلمة صريحة انه جبار وأنه تسلط على بني اسرائيل, كما كلف ان يدعو فرعون إلى عبادة الله وحده لا شريك له في الملك ولا في التشريع, ونرى هنا ان الله سبحانه وتعالى أرسل سيدنا موسى الذي هو حبيبه وصفيه إلى رجل هو أكبر عدو له, فنلاحظ نسبة التفاوت العظيم بين الرجلين أحدهما أحب عباد الله أرسل إلى أبغض عباد الله, فنلاحظ ان دعوة سيدنا موسى عليه السلام دعوة معقدة ودقيقة, وتحدث فضيلة الشيخ الندوي في نهاية هذا الكتاب عن دعوة سيدنا محمد عليه السلام, وكان أهل العرب بصفة عامة, وأهل مكة بصفة خاصة بعيدي العهد بالنبوات وبتصورهم لعالم الغيب, فالمشكلة الرئيسية ان رسول الله عليه اسلام أراد ان يوجه دعوته إلى قوم ليس عندهم مفاهيم وتصورات دينية بدائية فهذه هي احدى المشكلات التي واجهها الرسول عليه السلام في بداية دعوته, وكانت جميع المراحل التي اجتاز بها الرسول مهمته وجميع الوسائل التي اتخذها واستخدمها في هذه المهمة الدقيقة في مطابقة للطبيعة والبيئة, وهكذا الانبياء لا يلجؤون في أداء مهمتهم وتبليغهم رسالتهم إلى الصناعة والتكلف, وقد عرف خاتم الأنبياء ان أكبر خطر يواجهه هو جهل قومه بصانع هذا الكون ومدبره وصفاته الحقيقية, وخطر الحياة الجاهلية التي كان يعيشها أهل ذلك العصر, والأخلاق التي اتسم بها هذا المجتمع الجاهلي, وقد توجه عليه السلام إلى قومه بالقول: (إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد), أنذرهم بالخطر الحقيقي الدائم الذي يهددهم وهو طبيعة هذه الحياة التي يحيونها والعقائد التي يدينون بها. كتبت- عبير الشارد