الشيخ الامام ابو الحسن الندوي عالم فاضل وباحث جليل, احد دعاة الاسلام واقطابه الذين لايشق لهم غبار, بفضل ما انتجه من علم, وما ساهم به في انجاز , بل وما حققه من معالم القدوة والمثال في حقل الدعوة الاسلامية, والعمل على توحيد الصف الاسلامي, وتعميق روح الالفة والتسامح في قلوب كافة المسلمين في كل مكان. لقد استطاع صوت الشيخ الامام ابو الحسن الندوي ان يصل الى القلوب قبل الآذان وان يقنع عقل المسلم ويملأ وجدانه بفيوضات علمية ودينية انعم الله بها عليه, واختصه بها, فراح يوزعها طائعا مختارا لكل شاد في العلم, ولكل راغب في التزود من حياض الدين. وبهذا كله, استطاع شيخ الائمة بحق, ان يجعل من الدعوة الاسلامية مطمحا وغاية, وان يشوق الجميع الى ورود مناهلها العذبة, والاستزادة من بحارها الزاخرة. لقد كان الشيخ ابو الحسن الندوي, الاول والرائد في ميادين كثيرة. يشهد بذلك مايلي: - خرج في اول رحلة له الى مدينة لاهور سنة 1929 اي منذ 70 سنة وتعرف على علمائها واقطابها والتقى بشاعر الاسلام الدكتور محمد اقبال وترجم نثرا بعض قصائده الى العربية. - انه اول من قام برحلة استطلاعية للمراكز الدينية في الهند عام 1939 اي قبل حوالي 60 عاما من الآن. - كانت اول رحلة له خارج الهند سنة 1947 حيث سافر للحج واقام بالحجاز وتعرف على كبار علمائها في ذلك الحين. - انه كان المقرر الاول الذي ادار بجدارة وحكمة, الجلسة الاولى لتأسيس رابطة العالم الاسلامي بمكة المكرمة عام 1962. - كذلك فانه كان الاول, في الدعوة الى اول ندوة عالمية عن الادب الاسلامي, في رحاب دار العلوم لندوة العلماء عام 1981. بدأ تعلمه القرآن الكريم في البيت, ثم تعلم اللغتين الاردية والفارسية, كما بدأ تعلم اللغة العربية وآدابها وتوسع فيها الى ان وصل الى درجة التخصص في ادق فروعها وعلومها. وقد يهمنا في هذه المقالة, ان نشير الى تكوين الشيخ الامام, منذ بداية دراسته الى ان تألق علما مضيئا في سماء الدعوة الاسلامية ليس في الهند وحدها بل في كافة اقطار العالم من اقصاه الى اقصاه: ولد الشيخ الندوي بقرية تكية بمديرية راي بريلي في الولاية الشمالية بالهند في السادس من شهر المحرم عام 1333 الموافق عام 1914 وظل يتلقى ثقافته العربية والاسلامية على نحو موسوعي هو النمط النموذجي الذي ظل سائدا بين علماء المسلمين الاوائل, فالتحق سنة 1927 بالقسم العربي بجامعة لكهنو, وكان اصغر طلابها سنا, ولكنه عوض ذلك بتفوقه وامتيازه حيث حصل على شهادة في اللغة العربية وآدابها, كذلك فقد التحق بدار العلوم لندوة العلماء عام 1929 وحضر دروس الحديث الشريف, ودرس كتاب الجهاد من صحيح الامام مسلم, كما قرأ الصحيحين وسنن ابي داوود وسنن الترمزي حرفا حرفا وكلمة كلمة, وقرأ دروسا في تفسير البيضاوي, الى جانب اطلاعه على كتب الفقه المعتمدة, ولم يغفل الامام الشيخ منذ البداية, عن اكتسابه مهارة تجويد القرآن الكريم برواية حفص. هذا الاعداد الجيد, والتكوين الثقافي المستنير, الى جانب الرغبة في الاستزادة من العلم, والاقبال عليه بحرص ونهم شديدين - كل ذلك قد اهله لان يكون الداعية الاسلامي الكبير, العلامة الباحث المدقق. ويكفي هنا ان نستشهد بما اكده شيخ الازهر الاسبق فضيلة الدكتور المرحوم عبد الحليم محمود, والذي راح يصف الشيخ الندوي بقوله: لقد اخلص ابو الحسن الندوي وجهه لله, وسار في حياته سيرة المسلم المخلص لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم فدعا الى الاسلام بالقدوة الحسنة, ودعا الى الاسلام بكتبه النقية , كما دعا الى الاسلام بسياحاته التي حاضر فيها, ووجه, وارشد , فجزاه الله خير مايجزي عالما عن دينه. بهذه الكلمات الصادقة والمخلصة, تصدر تلك النفحة الروحانية المؤمنة لتعطي الشيخ الامام قدره وحقه اللائق به, بل ومكانته التي يستحقها, ولا غرو, فالدلائل شاهدة, والبراهين ساطعة, واطلالة سريعة على جهد هذا العلامة الكبير, ترينا الى اي مدى قد طوف الشيخ الندوي في العالم كله, فشرق وغرب, وجابه من اقصاه الى اقصاه: داعيا مستنيرا, وباحثا رائدا, ,وعالما فاضلا, اضاف الكثير وزود العالم الاسلامي بزاد ثري في كافة العلوم والمعارف التي تخدم المسلمين في معاشهم ومعادهم على حد سواء. هذا ولم يقتصر دور الشيخ الامام الندوي, على مجرد قراءة الكتب والتنقيب فيها والاستزادة منها, بل انه اضاف اليها مصدرا يعد من اهم مصادر انتقال الثقافة واثرها على التكوين العلمي: اخذا وعطاء, وتفاعلا وافادة, وذلك يتمثل في رحلاته المتعددة التي جاب فيها معظم اقطار العالم: داعيا الى الله, وسفيرا مخلصا لدين الاسلام الخالد, بل وقدوة صالحة للمؤمن التقي والمسلم الصادق. سافر الشيخ الندوي الى عدد من اقطار المعمورة في العالم كله, نذكر منها رحلاته الى لندن , برلين, ميونيخ, بون, جنيف, مانشستر, شيفلد, برن. وايضا رحلاته الى امريكا وكندا, كما زار ماليزيا, وعددا كبيرا من الدول العربية الاسلامية, وفي هذا السياق, تجدر الاشارة الى رحلاته المتكررة الى دولة الامارات العربية المتحدة, بين سنوات 1974 - 1993. كل ذلك, قد صاغ من الشيخ الامام, شخصية متكاملة تجمع الى قراءة التراث الاسلامي, اطلاعا واسعا وحصينا على كل ماهو عصري, فمزج بين الاصالة والمعاصرة, بذهن وقاد, وعقل متفتح, ونظرة ثاقبة تشخص داء الامة الاسلامية, وتضع لها من الدواء الناجع, ما يعينها على اجتياز محنتها, والارتفاع عن ازمتها, والعودة الى ماكان عليه السلف الصالح من صفاء ونقاء وحسن سريرة. وفي هذا الاطار, فقد تتابعت جهوده العلمية والوظيفية في حقل التدريس, والتأليف, والاسهام الفاعل في تأسيس المراكز الدينية والاسلامية , الى جانب عضويته بل رئاسته لعدد من المجامع العلمية والهيئات الاكاديمية والمجالس الثقافية والاسلامية المتخصصة. وتجدر الاشارة هنا الى انه كتب عددا من الكتب التي كانت ولاتزال معالم رائدة على الطريق, وذلك مثل: العقيدة والعبادة والسلوك, الاركان الاربعة, القادياتي والقاديانية, ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين, الصراع بين الفكرة الاسلامية والفكرة الغربية في الاقطار الاسلامية, صورتان متضادتان لنتائج جهود الرسول الاعظم والمسلمين الاوائل, رجال الفكر والدعوة الى الاسلام, نحو التربية الاسلامية الحرة في الحكومات والبلاد الاسلامية , ومختارات في ادب العرب. كما كتب للاطفال سلسلتين: احداهما بعنوان قصص النبيين, والاخرى بعنوان القراءة الراشدة. هذا عدا مئات المحاضرات والرسائل التي كتبها ووجهها الى المسلمين في كل مكان. ولا ننسى دوره التربوي الكبير, من خلال مشاركته لوضع منهاج لطلبة الليسانس في الجامعة الاسلامية بعليكرة وغيرها بالهند, تحت عنوان (اسلاميات) وكذلك بين الدين والمدينة, فضلا عن العديد من المقالات في مجالات كثيرة , كان له فيها باع طويلة: مشاركة واشرافا على حد سواء. هذا بالاضافة الى اسهاماته الكثيرة في انشاء وتأسيس عدد كبير من المراكز والمجامع الاسلامية, نذكر منها على سبيل الامثلة لا الحصر: مركز التعليمات الاسلامية, حركة رسالة الانسانية, المجمع الاسلامي العلمي, هيئة التعليم الديني, المجلس الاستشاري الاسلامي لعموم الهند, هيئة الاحوال الشخصية الاسلامية لعموم الهند, وغير ذلك. وقد تشرفت مجامع كثيرة وهيئات ومجالس عديدة برئاسته وعضويته, ونذكر من ذلك رئاسته لكل من: رابطة الادب الاسلامي العالمية, المجتمع الاسلامي العلمي, هيئة التعليم الديني, المجلس الاستشاري الاسلامي لعموم الهند, هيئة الاحوال الشخصية الاسلامية, مجمع دار المصنفين, مركز اكسفورد للدراسات الاسلامية, الى جانب عضويته في : المجلس التأسيسي لرابطة العالم الاسلامي بمكة المكرمة, المجلس الاعلى العالمي للدعوة الاسلامية المجلس الاستشاري بدار العلوم, رابطة الجامعات الاسلامية وغيرها كثير الى جانب مجامع اللغة العربية في كل من : القاهرة, دمشق, والاردن, ومن الجدير بالذكر هنا انه عمل عضوا لكثير من الجامعات الاسلامية والمنظمات الدعوية ولجان التربية والتعليم في عدد من الاقطار والدول الاسلامية والعربية. لكل هذا, فليس بغريب على الشيخ الامام الندوي, ان يحظى بالفوز بجائزة الشخصية الاسلامية, لهذا العام 1419 هجرية الموافق 1998 ميلادية, في اطار جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم. وهذا التكريم لللشيخ الامام, انما يجىء تقديرا مخلصا وامينا لهذا التاريخ الحافل والجهد الموسوعي المتواصل, فكرا ونشرا وكتابة وتأليفا بل ومساهمة جادة وعلى مدار مايربو حتى الآن على ستين عاما, قضاها الشيخ الامام الندوي على طريق الخير, طريق الفضل, طريق الحكمة, طريق العطاء, طريق الاسلام. جزاه الله عن الامة على قدر اخلاصه وعطائه في خدمة العقيدة الاسلامية والدعوة اليها وتسخير قلمه وفكره ولسانه كي تكون كلمة الله دائما هي العليا. وصدق الله العظيم اذ يقول (انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون) . صدق الله العظيم