في رمضان النفوس مهيئة جدا لتقبل كل جميل من الاخلاق والعادات والتقاليد والاعراف الاجتماعية وتنشيط الذاكرة لتتدبر ماكان عليه الحال وما وصل اليه الان . ويلاحظ هذا عند المقارنة المباشرة بين جيل الاباء والاجداد وجيل الابناء ويحس بهذا الشعور من لمح ضعف الرابط الاجتماعي بين الاسر المتجاورة في الحي الواحد. ووسائل الاعلام المسموعة والمرئية وكذلك المقروءة عند مقابلتها لشرائح الناس في المجتمع وسؤالهم عن الماضي والحاضر والمستقبل اول مايطرأ على الذهن امر الجيرة المفقودة بين ابناء الحي الواحد او حتى ارباب البيوت, فأصبح من النادر جدا ان يتم التواصل الذي كان هو اساس بنيان المجتمع. ولقد عبر احد كبار السن في احدى المحطات الفضائية المحلية عن هذا القطع بعد الوصل بقوله: تصور يموت الجار ولانعلم بموته الا بعد دفنه بفترة طويلة, كنا في السابق اذا تخلف الجار عن فرض واحد سارعنا بزيارته والسؤال عنه, فقد يكون في حاجة الى معونة ما, فإن كان مريضا وغير قادر على الحركة من شدة المرض قمنا بحمله الى المستشفى او العيادة او جئنا بالطبيب الخاص الى المنزل, وان كان محتاجا لطارىء حل به من دين او أزمة مادية اخرى جمعنا له من المال مايسد به حاجته ويحفظ به ماء وجهه عن ذاك السؤال. رمضان شهر يفيض فيه كل صائم بما يجول في نفسه من خواطر الماضي الجميل ويتمنى ان تبقى معاني الماضي حاضرة في الحال والمستقبل لانها صمام الامان الذي يحفظ المجتمع من نوائب الدهر. ان ضعف الروابط الاسرية في المجتمع سبب رئيسي لتفاقم المشكلات, ونعني هنا الاسرة الكبيرة بمعناها الواسع فالمجتمع ككل كان أسرة واحدة وصار الان اسر متفرقة بين الاحياء المتباعدة فلا تسمع لها صوتا او تلمس لها حسا ما في المواقف الحاسمة والتي بحاجة الى تكاتف الجميع. فما ان يفتح هذا الباب على الاولين الا كان الوخز موجها للاخرين الذين ضيعوا خيوط التواصل الاجتماعي فيما بينهم فمفهوم الجار قبل الدار لم يعد له وجود الا في مخزون المعلومات, بل نجد من يسعى الى الابتعاد قدر الامكان عن جيرانه حتى لا يتحمل امانة الواجب الاجتماعي عندما يفضل السكن بجانب الغرباء او من لايعرفهم من الاساس فيعدم الوصل من الاصل. رمضان شهر لمراجعة هذه الهموم التي تجول في النفوس والخواطر فما ان يفتح رجل الاعلام باب الاسئلة على الناس حتى يدلوا بدلوهم, فلا يملكون صبرا على البوح بالصراحة التامة كما علق احد الشواب قائلا (تبي الصراحة واللا..) نعم نريد الصراحة وان كانت موجعة او مؤلمة فمنها تشفى الجروح الغائرة في النفوس العطشى للتمسك بأهداب الماضي في ابها معانيه واسمى اخلاقياته فإن النبي صلى الله عليه وسلم وصى على سابع جار وهو القول المشهور, والا فإنه وصى على الجار الاربعين في روايات اخرى, اي على (الفرجان) بأكملها يعني المجتمع ككل.