لرمضان وليالي رمضان عند البدو في القرى والمناطق النائية مذاق وطعم خاص ليس فقط لما يتميز به الشهر الفضيل من نفحات وروحانيات بل لأن رمضان بالاضافة الى ذلك يعني للاهالي في تلك المناطق مزيداً من التلاحم والتواصل مع الاهل والاصدقاء والجيران وهو ما يأتي امتداداً لعاداتهم وتقاليدهم العربية الاصيلة . وفي قرية ام غافة الجبلية بالعين تجتاح الاهالي ومنذ بثوق رؤية هلال رمضان مظاهر بهجة وفرح عارمة حيث يخرجون لتبادل التهاني وسط جو من التفاؤل بحلول هذه المناسبة الكريمة. وتعتبر المجالس الرمضانية التي تمتد يومياً من موعد الافطار حتى يحين موعد السحور من السمات البارزة لرمضان في القرية كغيرها من المناطق البدوية حيث يلتقي الاهالي في مجموعات كبيرة للسهر والسمر والتشاور حول الامور التي تتعلق بشؤون حياتهم واسترجاع الذكريات والاستماع الى انطباعات الآباء والاجداد عن زمان وايام زمان والتي لا تخلو ابداً من عناصر التشويق والمتعة. (البيان) شاركت ابناء (المقابيل) مجلسهم الرمضاني بأم غافة ورصدت جانباً من هذه الانطباعات والذكريات واستطلعت آرائهم حول واقع قريتهم زمان والآن. عادات قديمة متوارثة في البداية يقول محمد سعيد مرشد (معرف المنطقة) : لدينا عادات قديمة متوارثة عن الآباء والاجداد وما زلنا نتمسك بها ونحرص على ذلك كثيراً وعلى ان نغرسها في نفوس الاجيال وذلك تجسيداً لتوجيهات صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة.. فقد حثنا سموه على التمسك بتقاليدنا وعاداتنا وعلى احياء تراث الآباء والاجداد ونحن لن نكن ابداً الا عند حسن ظن سموه وخاصة في تلك القضايا التي تمس وجودنا وهويتنا. ويضيف ان الاهالي بأم غافة يحرصون على احياء المجالس الرمضانية خلال هذا الشهر المبارك لانها تحقق التواصل والتلاقي بين الاهل والاصدقاء بصورة اكثر كثافة عن الايام العادية تمشياً مع عادات وتقاليد مجتمع الامارات حيث كان الآباء والاجداد يعقدون هذه المجالس في بيوت الشعر وحظائر العريش التي كانوا يقطنونها حيث يلتف الاهالي من كل حي او فريج قريب للسهر والسمر وسط هذا الجو الرمضاني المتميز. ويقارن مرشد بين هذه الايام والأيام الاولى حيث التلقائية والبساطة في كل شيء والآن بعد ان صارت الحياة اكثر تشابكاً وتعقيداً في ظل انتشار الشعبيات والمساكن الحديثة ووجود الطرقات الممهدة التي قربت واختصرت المسافات وغيرها من المرافق الاساسية كالماء والكهرباء والهاتف والتلفاز وغيرها من وسائل الحياة العصرية التي جعلت حياة المواطن اكثر رفاهية ورخاء. ويؤكد محمد مرشد على ان هذه المعطيات الجديدة سهلت على الاهالي التواصل والتلاقي وجعلت الحياة برمتها اكثر سهولة ويسر مما يسهل بدوره على المواطنين عملية احياء التراث والحفاظ على ماضي اجدادهم.. ويبتهل مرشد في نهاية حديثه الى المولى عز وجل ان يحفظ الله سبحانه وتعالى صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة دوماً ذخراً للوطن والمواطن وان يوفقه الى ما فيه الخير ورضاه. الطوى.. وشجرة الغاف كان سرحان حميد المقبالي (85 عاماً) اكبر رواد مجلس (المقابيل) الذين التقيناهم بأم غافة سناً وعلى الرغم من كبر سنه الا انه يتمتع بخفة وحيوية وبذاكرة قوية جعلته يحتفظ بالكثير عن ذكريات الايام الخوالي فسألناه عن مصدر تسمية هذه المنطقة الجبلية بأم غافة فأجاب بقوله: لقد كانت هناك في الماضي البعيد الطوى (بئر مياه) يعتمد عليها ابناء المنطقة والمناطق المجاورة في الحصول على مياه الشرب اللازمة لهم وقد ذاع صيت هذه الطوى كثيراً واشتهرت.. وكان بجانب الطوى مباشرة توجد شجرة غاف كبيرة.. ومن هنا اكتسبت المنطقة منذ القدم اسم ام غافة نسبة الى الطوى وشجرة الغاف.. ولا زال سرحان المقبالي يتذكر رمضان قديماً بأم غافة خاصة عندما كان يأتي في اشهر الصيف مما يضاعف معاناة الاهالي الذين كانوا (يكدون) ويشقون كثيراً جداً من اجل انتزاع لقمة العيش وسط ظروف غاية في الصعوبة والقسوة فقد كانوا يقطعون اياماً طويلة بلياليها لكي يذهبوا الى أبوظبي ودبي والمناطق القريبة الاخرى ليتسوقوا منها ما يحملونه معهم على ظهور الجمال من حطب وخشب و(سخام) ليعودوا محملين بالعيش والقهوة والسمك والفوقة التي يقتاتون بها على مدار العام. وبسؤاله عن الزواج بأم غافة زمان قال سرحان انه لم يكن يختلف من حيث عاداته وتقاليده عنه في باقي مناطق الدولة التي كان يطلق عليها سابقاً امارات الساحل ويؤكد هنا ان زواجه الاول من (ام العيال) لم يكلفه اكثر من 30 روبية. ويضيف انه يحرص يومياً على الحضور الى المجلس طوال ايام شهر رمضان لرؤية الاهل والاصدقاء والاحباب وسرد القصص القديمة التي كابدها زمان في حياته المعيشية لافادة الشباب من هذه التجارب الغنية ولاسترجاع ذكريات الايام الخوالي مع اخوانه رواد المجلس من كبار السن الذين يدركون الآن مدى تلك الطفرة الهائلة التي طرأت على الحياة بدولة الامارات عبر العقود القليلة الاخيرة. طفرة حضارية كبيرة ويتحدث سعيد عبيد سالم المقبالي مؤكداً على اهمية هذه الجلسات الرمضانية بالنسبة للشباب والشابات على حد سواء لانها تسهل كثيراً عملية تواصل الاجيال والتأكيد على عادات وتقاليد مجتمعنا العربي المسلم والتي تقوم على احترام الصغير للكبير وتقدير الكبير للصغير ومساعدة المحتاج ونصرة الحق وانصاف المظلوم. ويستعرض سعيد جانبا من مظاهر تلك النهضة الحضارية التي تجسدت بأم غافة تلك القرية النائية التي كانت وفي الامس القريب عبارة عن مجموعة من بيوت الشعر والعشيش تعيش في ظلام ويكابد الاهالي من جراء غياب وسائل العلاج والتعليم في حدها الادنى. ويذكر محدثنا كيف عانى واقرانه بالمنطقة قديماً من غياب المدرسة فلم يكن هناك سوى مدرسة واحدة بالعين هي مدرسة النهيانية وتلك بمقاييس ومعطيات الواقع آنذاك كانت بعيدة جداً على ابناء ام غافة.. فلم تكن هناك طرقات بالمعنى.. كما لم تكن السيارة قد انتشرت كوسيلة سهلة للمواصلات كما هو الحال اليوم حيث الوضع تغير تماماً. ويتطرق سيف علي محمد الى القضايا والامور التي غالباً ما يتركز او يدور حولها الحوار في مجلس (المقابيل) الرمضاني ويشير الى انها غالباً ما تدور حول هموم الاهالي ومشكلاتهم التي تؤرقهم او تلك التي تمس حياتهم اليومية خاصة سباقات (الركاب) وشؤون تربيتها ورعايتها تستأثر بجل اهتمام الاهالي بالقرية تجسيداً لحرص واهتمام صاحب السمو رئيس الدولة. ويرى سيف علي ان الدولة لم تدخر جهداً من اجل توفير كل سبل الرعاية الواجبة للثروة الحيوانية خاصة (الركاب) ويشيد هنا بالامكانيات والتجهيزات الكبيرة التي تتمتع بها العيادة البيطرية الامر الذي ساهم في رفع كفاءة واداء هذه الركاب التي وفرت لها هذه الامكانيات رقابة طبية فائقة ومتطورة مشيرا هنا الى الخسائر الفادحة التي كان يتكبدها الاهالي قديما نتيجة نفوق اعداد كبيرة من هذه الحيوانات او عجزها لافتقادها لاي نوع من الرعاية الطبية الواجبة. ويحكي علي سعيد علي المقبالي كيف كانت الحياة بأم غافة قديما كغيرها من المناطق المجاورة صعبة وقاسية. ويشرح هنا بعضا من تفاصيل المعاناة التي يكابدها كغيره من ابناء المنطقة خلال رحلاتهم المستمرة الى ابوظبي ودبي لتأمين لقمة العيش لابنائهم. فقد كانت الرحلةتستغرق 17 يوما تقريبا للذهاب والعودة وسط ظروف غاية في القسوة بينما كانت زوجاتهم وابناؤهم ينتظرونهم داخل بيوت الشعر والعشيش على امل ان يعودوا اليهم محملين ببعض ما يعينهم على الحياة. ويروي المقبالي جانبا من تلك الاخطار والمفارقات التي كانوا يتعرضون لها في الصحراء خلال رحلاتهم على الرغم من وجود خبراء بتلك المسالك والدروب الوعرة, ومازال يتذكر حتى الان بعضا من اسماء الموارد التي كانت تتوقف عندها قوافل الجمال في الصحراء مثل مورد الحصن, مورد البحوث وطوي السطى وغيرها. ولا يرى علي سعيد ان هناك وجها للمقارنة بين ام غافة الان وزمان فقد تغيرت الظروف والاحوال.. ويكتفي هنا بالقول انه على الرغم من عدم حصوله على اي قسط يذكر من التعليم فان اولاده تعلموا وحصلوا على شهادات اهلتهم للعمل في اجهزة الشرطة والدفاع. مجلس متعدد الاهتمامات بعد كبار السن والآباء جاء دور الابناء والشباب الذين اكدوا بدورهم حرصهم على اقامة وحضور هذه الجلسات الرمضانية لانها تدخل في صميم عادات وتقاليد المجتمع خاصة في مثل قراهم ومناطقهم النائية... ويقول سعيد راشد سعيد اننا نتوارث هذه العادات من الآباء لنورثها للابناء الذين نحرص على وجودهم معنا بهذه المجالس لتعويدهم على التعلق بها منذ الصغر. ويشير الى ان مجلسهم الرمضاني متشعب ومتعدد الاهتمامات لا يقتصر الحوار فيه على قضايا التراث او الهموم اليومية المشتركة للاهالي بالقرية بل هناك قضايا وأمورا اخرى تدخل في صميم اهتمامات الشباب كقضايا الاسكان والزواج والاستقرار ويرى ان تلك الاخيرة لاقت الحلول الجذرية المناسبة من خلال تجربة صندوق الزواج الذي جاء بناء على التوجهات الكريمة الخيرة لصاحب السمو رئيس الدولة تجسيدا لحرص واهتمام سموه بتحقيق كل عناصر الاستقرار الواجبة لابنائه الشباب وبناته الشابات لبدء حياة اسرية هادئة وسعيدة. ويقول سلطان سعيد الساعدي انه يحرص على القدوم يوميا من منطقة الظاهر القريبة التي يقطن بها الى ام غافة ليشارك اقاربه واصدقاءه السهر والسمر خاصة في ايام الشهر الفضيل. ويعتز الساعدي كثيرا بتلك الطفرة الكبيرة التي شهدتها تلك القرى والمناطق الجديدة ويدلل هنا بتلك الطرقات الجديدة الفسيحة المضاءة والتي لم تكن بمقدورة لولا وجودها من الحضور يوميا للسهر بأم غافة والعودة في وقت متأخر الى الظاهر منطقته. ويتناول عبدالله سعيد مرشد المقبالي واقع ام غافة الان بعد الطفرة الحضارية الهائلة التي عمت الامارات ويقول انه ومع الصعوبة بمكان ان تحقق كل شيء في وقت واحد فان كنا الآن في وضع مغاير تماما قياسا بالماضي الا ان ذلك لا يعني وجود بعض اوجه النقص في بعض المرافق وتعتبر مشكلة نقص المسكن بأم غافة من مصادر المعاناة للاهالي بالقرية الا ان الامال معقودة على البرنامج الطموح الذي تتبناه دائرة الاشغال بابوظبي والجاري تنفيذه حاليا سعيا نحو توفير مسكن ملائم لكل مواطن. ويوجد بأم غافة شعبية قديمة تضم 200 منزل تقريبا بالاضافة الى 30 مسكنا شعبيا تم توزيعها على المواطنين من ذوي الحالات الاكثر حاجة بالقرية مؤخرا. الشقيقان راشد وحميد المقبالي على الرغم من سكنهما بأسرتيهما بمدينة العين الا ان ذلك لم يحل ابدا بينهما وبين الحضور بشكل منتظم الى ام غافة للتوصل مع الاهل والاصدقاء ويؤكد الشقيقان على ان هذا الحرص يأتي تجسيدا للعادات والتقاليد الاصيلة لانهاء مجتمع الامارات الذي يحرص على صلة الرحم خاصة في مثل هذه الايام الكريمة من خلال المجلس الرمضاني الذي يتيح لهما متابعة الاخبار ومعايشة هموم وامال وتطلعات ابناء قريتهم. تحقيق ــ محسن البوشي