عندما يصاب الانسان بفقر في دمه على أساس انه مريض بحاجة الى علاج متواصل حتى يعود التوازن الى صحته البدنية والا كانت النتيجة مزيدا من التدهور غير المتوقع احيانا. ولو نقلنا هذا المرض على سبيل المجاز الى برامج الاعلام الرمضانية لوجدنا فقرا مريعا ليس في دم البرامج المذاعة في شتى القنوات الداخلية والمحلية على وجه العموم فقط ولكن المصيبة اكبر من فقر الاحيان عند انتهاء رمضان. فما يحدث بين الرمضانين وأكثر لا يلبي حاجة من يريد المزيد من التنوع في البرامج مع الفائدة العملية للساعات الطوال التي يقضيها أحدنا مسمرا امام الشاشات العديدة. جرب عملية الجلوس هذه ولو لساعة واحدة فقط في اليوم وحاول الا تستقر على حال مع محطة معينة, فأكثر التنقل كل عشر دقائق من قناة الى اخرى فسوف تصل خلال هذه التنقلات بين ست محطات الى نتيجة مفادها ان الفائدة تكاد تكون معدومة بسبب التكرار الواضح في اقتباس الافكار التي تكون اقرب الى الحرفية منها الى بذل الجهد في البحث عن الجديد. مع يقيننا بأن رمضان شهر للعبادة الخاصة ولكن مع ذلك نقر بأن للنفس أوقاتا هي بأمس الحاجة الى نوع من الترفيه البرئ من الشوائب التي تعرض العبادة ذاتها للاهتزاز. فلو افترضنا جدلا بأن نجلس امام برامج الفكاهة, خفة الظل في اكثر من محطة نلاحظ بأن الحصيلة النهائية تكون اقرب الى ضياع للوقت والخروج بلا شيء فيما لو استمرت العملية شهرا كاملا ولكان البحث في بطون الكتب, التراثية عما تشتهيه الانفس من مواد خفيفة افضل وانفع من رؤية مادة اعلامية اقرب الى الاستهزاء غير المبرر للمشاركين في البرنامج. وحتى تكون البرامج الاعلامية ذات جدوى لا يكفي ان تكون مضحكة البيوت, لأن الاهم ان يكون هناك هدف واضح لاضحاك الناس لمدة زمنية معينة بحيث لا تستمر عملية الهزل هذه الى عادة ومهزلة في نفس الوقت ان يضيع الهدف بين ارتفاع صوت القهقهات يعني تسطيحا في البرامج وعدم تقدير لمشاعر المشاهدين الذين يفرغون جزءا من اوقاتهم الثمينة من اجل جلب المنفعة لأنفسهم المتعبة طوال فترة الصيام, وهم ليسوا بحاجة الى تعب اضافي حتى يعاودوا الكرة من جديد. ولو ألقينا نظرة فاحصة على البرنامج الشهير بـ (مستر بن) لوجدنا الفارق كبيرا جدا بينه وبين برامجنا على كافة المستويات, لأن هناك فكرة واضحة لكل حلقة من حلقات (مستر بن) تصل الى المشاهد وبسرعة دون ان يستمر فاغرا فاه طوال فترة مشاهدته تلك, فما ان تنتهي حلقة حتى تنتقل الى فكرة جديدة اخرى, وهكذا. اما ما يحصل عندنا فهو اقرب الى السلق من غير هدف واضح او فكرة واضحة وكأن لسان حال البرامج يقول (ياالله مشي حالك) وسوف ينتهي الشهر بسرعة (ولا من شاف ولا من دري) . ان البرامج الهادفة في أي شهر من شهور السنة هي التي ستخلق وعيا واضحا في عقول المشاهدين الذين يحترمون عقولهم والمطلوب من القائمين على اجهزة الاعلام لدينا تقدير هذه العقول وعدم الاستخفاف بها حفاظا على المصلحة العامة على اقل تقدير.