مع الليلة الأولى من هذا الشهر الفضيل قمنا كالعادة بشراء ضرورات الشهر من الجمعية التعاونية وإذا بالمنظر المألوف غير ما ألفناه في الليالي الأخرى فالمواقف عسيرة وعربات التبضع غير متوفرة لأن بيد كل شخص عربتين بدل الواحدة والطوابير ممتدة في الكاونتر الواحد بدل الخط خطين . هذا المنظر يقلب مفهوم شهر الصيام إلى شهر الطعام وكأن الناس كانوا جوعى طوال العام وجاء هذا الشهر لكي يشبعوا نهمهم بما لذ وطاب مع أن الأمر غير ذلك تماما. وأثناء سيرنا في ممرات الجمعية التعاونية مر صاحب لنا وعلى وجهه علامات التعجب والاستفهام مستغربا الوضع القائم أمامه فبادرني قائلا: هل صحيح هذا.. الناس تستعد لشهر الصيام بشراء المزيد من الطعام فوقفت معه برهة من الصمت مشاركا لاستغرابه, فلم يكن لدي الجواب في التو لانني من ضمن المشترين وإن كان شرائي في تلك الليلة أقل بكثير من المعتاد ولا أعرف لماذا؟ والسبب الوحيد عندي هو المبالغة الكبيرة في تصرفات أو سلوكيات الناس نحو عملية الشراء ذاتها, أو بالأحرى ان هناك شعورا دفينا أو في العقل الباطن لمن يعاني من تخمة الشراء اللامحدود, بأن البضائع المتوفرة في هذه الليلة لن تستمر في الأيام المقبلة وخاصة إذا كان الكل يفكر بطريقة واحدة ألا وهي الاستيلاء على الموجود قبل أن تمسه يد الآخرين. بأيدينا خلقنا أجواء لا تمت إلى هذا الشهر بصلة, عادات أصلناها وفق سلوكياتنا السلبية والتي تلقي ظلالها على أماكن تواجدنا وبالذات في الأسواق. وهذا ينطبق كذلك على استعداد الناس لمتطلبات العيد المقبل بحيث يشتري الإنسان ما يحتاجه وما لا يحتاجه لعام كامل أحيانا الا ان حب التكديس يطغى عليه فيشتري الجيد والرديء في آن واحد والا فالبديل هو ان يدفع الإنسان في الأيام الأخيرة لقرب موعد العيد أضعافا مضاعفة من أجل تفصيل جديد العيد له ولمن يعيلهم. لماذا نندفع بهذا الاسلوب غير العقلاني في تصرفات حياتنا اليومية وبالذات في شهر رمضان الذي جاء ومن أهدافه تهذيب وتحجيم شهوات النفس البشرية الممتدة إلى الأمام دائما. إن سرعة اللهاث التي نلاحظها في هذا الموسم المليء بالخيرات لا تتناسب أبدا مع ما ينبغي أن نلتزم به في أيام معدودات, ونخشى أن تمضي علينا ونحن فقط نعد قناني أو زجاجات المشروبات الغازية الفارغة وهي علامة بارزة على فراغ النفوس من القيم التي يجب أن تزداد قوة ورسوخا منذ أول ليلة من ليالي رمضان. وهي ليلة خصها الله سبحانه وتعالى بميزة غير موجودة في بقية الليالي في رمضان وهي المشفوعة بالمأثور القائل: إذا كان أول ليلة من رمضان ينظر الله سبحانه وتعالى إلى عباده الصائمين, فمن نظر إليه لا يعذبه أبدا, فاللهم اجعلنا ممن نظرت إليهم في هذه الليلة.