بعد التحية:بقلم- د. عبدالله العوضي

أصبح الهاتف آلة بديلة للتواصل الاجتماعي غير المباشر بين الناس, وذلك بسبب تباعد التواصل المادي, أعني به الزيارات عن طريق الجيرة والصداقات القديمة وصلة الارحام , فكل هذه تحولت الى ارقام مبرمجة أولها في هذا الصندوق السحري الذي لو كان بالامكان لجعله بعض الناس كالخاتم في اصابعهم بحيث لا يفارقهم أبدا. ونظرا لتقدم تقنية هذا الجهاز الحساس في مفعوله وقلة تكاليف اقتنائه نجده متوفراً بين كل الفئات العمرية تقريبا, وبنظرة سريعة الى حركة الناس في الاماكن العامة نلاحظ حقيقة هذا السر الظاهر للعيان. يا ترى ما الذي يعاب علينا في هذا النوع من التطور الحضاري باستخدام الهاتف النقال وغير النقال, بل وفي القريب العاجل ستدخل خدمة الاتصال المباشر بالعالم عبر الأقمار الصناعية دون الحاجة الى الوسائط الأرضية المباشرة وهذا يعني تجاوز الخطوط الهاتفية المعروفة إلى مجال تنعدم فيه الحواجز الأرضية عبر الأفق السماوية. مرة اخرى نعيد السؤال: ما الذي يعاب علينا في هذا الصدد؟ اذا عرفنا ان أصحاب هذه الاختراعات المفيدة جدا للبشرية هم أحرص الناس على عدم الاسراف في استخدامه إلا لضرورات الحياة, لذا يندر في الغرب الأوروبي أمريكا واليابان رؤية الهاتف في أيدي كل الناس دون التفريق بين صاحب الحاجة وصاحب الهواية. فكل الأمور التقنية عندهم مقننة أما عندنا فالتسيب لا يمكن كتمانه وقد تسرب جهاز التحكم في الرغبات من بين أيدينا, والعجيب انه كلما رخص ثمن هذه الاجهزة زاد اقبال الناس في رمي القديم الجديد جانبا لاقتناء الأجدد مع ان الفارق بين جهاز وآخر ليس كبيرا في الخدمة العامة لعموم الناس. ولا أعني بهذا الأشخاص الذين يحتاجون فعلا الى استخدام افضل التقنيات في اجهزة الهواتف لضرورات حياتية وعملية, فصاحب الجهاز أدرى بها مقارنة بالآخرين الذين يجلسون على مقاعد الدراسة الأولية, فهل هناك وجه للمقارنة بين هذه الشرائح في استخدام الهاتف المتجدد خلال مواسم قصيرة للغاية. والخلل الآخر في استخدامنا لأنواع الهواتف هو في الاستطراد الشديد والكلام الكثير والممل عبر هذه الخطوط التي جعلت لقضاء الحاجة الضرورية عندما يعز اللقاء المباشر. فتصور معي عندما يدفع بعض مستخدمي الهواتف في مجتمعنا كل دخله الشهري بل ويضيف اليه الكثير من الديون حتى يتمكن من تسديد فواتير المكالمات التي لا تتعدى كلمات الغزل والحب التي لا تؤدي في الغالب الى العلاقة الشرعية المطلوبة في مثل هذه التصرفات, لأن معظم الانحرافات تبدأ بدعابة بسيطة على الهاتف, ثم تتطور لتتحول الى مشكلة سلوكية صغيرة الى حد ما ولكنها سرعان ما تتحول مرة اخرى بدورها الى كارثة اخلاقية في ظل غياب التوجيه الاسري للطرف المهيض الجناح الا وهي الفتاة ولا يشفع لها المجتمع الذي لا يعطي الفتى الشفاعة الكبرى, لأن خطأها يضعها في عداد المنبوذين وخطأه يرفعه الى اعلى سلم الرجولة.

تعليقات

تعليقات