على من تقع المسؤولية .. الصحافة أم أجهزة الامن،نشر صور المتهمين قبل الحكم .. غير قانوني

اجمع رجال القضاء والشرطة والدين والعامة على عدم جواز نشر صور المتهمين في اي قضايا بالصحف قبل صدور الحكم النهائي بادانتهم, الا اذا كان هناك مبرر قوي أو فائدة ستعود على المجتمع أو القضية من خلال نشر الصور . وقالوا ان الصورة وسيلة فنية تعبر بها الصحيفة عن افكارها واخبارها, وهي في الوقت نفسه تعتبر في القانون من طرق العلانية, وتمثل العلانية في سياق معين شرطا من شروط جرائم تمس الشرف والاعتبار مثل القذف والسب وافشاء الاسرار. ولئن كان القانون اباح نشر الصور في حالات محددة, فانه حظر تماما نشر صور المتهمين في قضايا أو حالات معينة. فما هي تلك الحالات؟ ولماذا المنح والمنع في نشرها؟ وهل تقع الصحيفة تحت طائلة القانون دون أن تدري؟ وما مسؤولية الجهة التي امدت الصحيفة بالصور؟ حول تلك التساؤلات يدور هذا التحقيق. عقوبة اضافية يرى المستشار الدكتور محمد محمود الكمالي رئيس محكمة العين الاتحادية المدنية ان نشر صورة المتهم في الصحف يعتبر عقوبة اضافية, اذ ان القانون قد سكت عن هذه العقوبة, فلم يقرها ولم يمنعها. كما انه لا يوجد في القانون, ما يجيز للقاضي ان يأمر بنشر صورة المتهم في الجريدة ومن هنا فإنها تعد عقوبة اضافية ذات مردود عكسي, اذ ان القانون يهدف من معاقبة المتهم الى ردعه عن الاستمرار في ارتكاب الجرائم, في حين ان نشر صورة المتهم تعتبر عاملا مستفزا ومشجعا على دخوله في عالم الجريمة او استمراره فيه ولذلك فإنني ضد نشر صورة المتهم عموما. واضاف رئيس محكمة العين الاتحادية المدنية قائلا: كما ان القانون يجيز نشر اسرار التحقيق في مختلف القضايا والصورة سر من اسرار التحقيق التي لا ينبغي الكشف عنها ويحق للمتهم ان يطالب بالتعويض اللازم في حالة ثبوت الاضرار النفسيه والمادية الواقعة عليه نتيجة نشر صورته, خاصة وان هذه الاضرار لا تتعلق بشخصه فقط وانما تصل الى جميع افراد اسرته وبالتالي فان نشر الصورة يكون قد اتى بعقاب لاشخاص لا ذنب لهم. ويضيف د. الكمالي قائلا: واذا نظرنا الى المحاكمات في بعض الدول الاجنبية وخاصة الاوروبية منها فإننا نجد انهم يرسمون للاشخاص المتهمين والمحاكمة عموما رسومات كاريكاتيرية, وارى ان ذلك حل مثالي, يغني المجتمع عن الاثار المترتبة عن نشر صورة المتهم الحقيقيه. ويستطرد المستشار الدكتور محمد الكمالي قائلا: ان من سلبية نشر صورة المتهم شعوره بالغربة والحقد والكراهية, من قبل افراد المجتمع الذي يعيش فيه ونبذهم له, مما قد يؤدي الى امتهانه الاجرام, ولذلك فإننا نجد ان نظرية التغريب في الشريعة تعمل على ان يترك الشخص مجتمعه الذي يعيش فيه ويهجره الى مجتمع اخر غريب عنه, حتى يستطيع ان يتعايش مع افراد ذلك المجتمع الغريب عنه وينجح فيه, ولذلك فإنني ضد نشر صورة المتهم الا بعد صدور الحكم النهائي وليس الابتدائي او الاستئنافي فقط فالمتهم برىء حتى تثبت ادانته. حالات الستر والاشهار اما فضيلة الشيخ حسن الطيبي ــ خطيب بوزارة العدل والشؤون الاسلامية والاوقاف ــ فقال ان الاصل في القاعدة الشرعية هي ان الانسان برىء ما لم تثبت ادانته, والاصل في المسلم ان يستر لقوله صلى الله عليه وسلم (لا يستر عبد عبدا في الدنيا الا ستره الله يوم القيامة) رواه مسلم, وبشكل عام فان الاسلام لا يحب الاظهار لقوله تعالى: (ان الذين يحبون ان تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب اليم في الدنيا والاخرة والله يعلم وانتم لا تعلمون) الآية 19 من سورة النور الا ان الاشهار قدروه في القرآن الكريم من اجل العبرة ولمن تسول له نفسه ان يقترف الحرام او يرتكب الجرم, فقد قال عز وجل في جريمة الزنا (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين) الآيه 2 سورة النور. اي ان التشهير واجب اذا قصد منه العبرة وليس اهانة مرتكبي الجرائم وقد روي ان احد الصحابة, اقيم عليه حد شرب الخمر, وبعد ضربه, قال بعض القوم اخذك الله, فقال صلى الله عليه وسلم (لا تقولوا هذا, لا تعينوا عليه الشيطان) رواه البخاري. وهذا الحديث يدلنا على ان تجريح المخطىء غير جائز وانما المراد هو ان يتعظ الناس ويعتبروا حتى لا يقعوا في مثل ذلك الجرم, وينالوا عنه ما يستحقونه من عقوبة. ظلم للمتهم اما خالد شلبي ــ موظف ــ فيقول: ان في نشر صورة المتهم ظلم كبير له وللحق وللمجتمع بأسره, ذلك لانه ربما يكون برىئا وبالتالي فان الحق يصبح باطلا والباطل حق, ويغتابه الناس ويتعاملون معه معامله سيئة ويجعلون من انفسهم قضاة ومنفذي احكام, وابدى شلبي دهشته من نشر صورة المتهم, مشيرا إلى عدم وجود فائدة من نشرها سوى التشهير والفضيحة للمنشور صورته ولغيره من افراد اسرته, وغالبا ما يمتنع صاحب الصورة عن الذهاب إلى عمله ويصاب بحالة اكتئاب نفسي ويكره المجتمع كله, اذ انه يعتقد ان الجميع يشير اليه بالاجرام, مما قد يدفعه الى هجر ذلك المجتمع واهله والخروج منه بلا رجعة, وفي ذلك ظلم كبير اتمنى رفعه عن المتهمين, حتى بعد ثبوت الجريمة عليهم, فلماذا نغلق امامهم باب التوبة والعودة الى المجتمع كأعضاء نافعين صالحين. مبررات الجرم اما الملازم جمال عبود,ـ القائم بأعمال مدير العلاقات والتوجيه المعنوي بالادارة العامة للدفاع المدني فيقول: انه ضد نشرة صورة المتهم سواء قبل الحكم عليه او بعده, فربما كان لدى ذلك الشخص دوافع جعلته يقبل على ذلك الجرم, وربما قد يكون واقعا تحت اي مؤثرات اخرى لا يعلمها الا الله وتكون هي دافعه الى ذلك الجرم, واكد ان القضاء قادر على ردعه حتى لا يعود الى عالم الجريمة مرة اخرى دون الحاجة الى التشهير به وبأبنائه الذين سيحملون عار ابيهم طوال حياتهم. ستر العباد اما عاشور عمار مهندس بدائرة الماء والكهرباء بأبوظبي فيقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كل امتي معافى الا المجاهدون, وان من المجاهدة ان يعمل الرجل بالليل عملا ثم يصبح وقد ستره الله عليه, فيقول يافلان عملت البارحه كذا وكذا, وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه) رواه البخاري ومسلم وهذا الحديث يرشدنا الى ان الله يستر عبده دائما في حين انه وغيره من ابناء المجتمع يعملون على كشف ذلك الستر, فلماذا ننشر صورة المتهم, بدلا من ان نستره وندفعه الى فعل الخير والى العودة الى حياة الصالحين.. ولذلك فإنني ارى ان نشر صورة المتهم هو نوع من التشهير والفضيحة التي لا طائل من ورائها. جواز النشر في حالات اما المستشار (ع- خ) فيقول: يمكن نشر صورة المتهم, اذ فر هاربا وكانت هناك ادلة بحوذة الشرطة تؤكد انه المجرم ومن ثم فإن عملية النشر ستكون عامل قوي ومفيد في عملية القبض على المتهم وبالتالي يصبح النشر واجب ولازم, كما يجوز نشر الصورة اذا كان المجتمع يقرها كعقوبة في حد ذاتها, مثل نشر صور المعاكسين كما تفعل شرطة دبي. وحول ما اذا كان يحق للمتهم طلب التعويض في حالة نشر صورته وثبوت براءته قال المستشار: لا يحق للمتهم ان يلجأ للقضاء, ويطلب التعويض ذلك لان عملية النشر تمت وهو متهم وهناك ادلة تحوم حوله, وعموما فإن قواعد التعويض مخولة للقضاء, ولكل انسان الحق في اللجوء الى القضاء وطلب التعويض وعلى القضاء ان يقول كلمته. المنع بتعليمات ويقول المستشار (ع ــ ش) لا يوجد قانون يمنع نشر الصورة وانما هي تعليمات من النائب العام, كما ان نشر صورة المتهم ليس جريمة, وفي قانون الصحافة, فان الصحف ملزمة في حالة نشرها حكما ابتدائيا او استئنافيا بالصورة او بدونها.. ان تنشر نفس الحكم اذا تغير في النقض. وقال: ان عمليه نشر الصورة بالاضافة الى القضية نفسها قد يكون له الاثر الكبير في رأي المحكمة وحكمها النهائي ولذلك فمن الافضل عدم نشر اي شىء الا بعد الحكم النهائي. تأثير سلبي من جانبه, اكد المحامي عماد جمعة اهلي ان نشر صورة المتهم قبل صدور حكم نهائي في حقه حكم يعد شكلاً من اشكال العقاب واقامة الحد. وقال ان الشرطة والنيابة تملكان اقرار الحكم, ما لم يبت القاضي في امره, ولايأخذ الحكم طريقه إلى التنفيذ دون ان يكون ثابتا لا مجال لتمييزه أو استئنافه. واشار إلى أنه من شأن المتهم ان ينفد بجلده على ان يعاقب بغير جرم اقترفه, حيث ان المبدأ يقول المتهم برىء حتى تثبت ادانته. وتساءل المحامي والمستشار القانوني عماد اهلي: ماذا لو وزعت صورة المتهم على الصحف ووكالات الانباء ثم اتضح بعد النشر بأنه فعلاً برىء؟ مشيرا إلى ان نشر الصورة بالاتهام الموجه قد يؤثر سلبا على علاقة المتهم بأسرته وعائلته, اذ سيكون عبرة لغيره, ومدعاة للحذر وانعدام الثقة بين الناس. واستطرد قائلا ان مجرد نشر صورة متهم ليس من اصحاب السوابق ويرتكب الجريمة ــ لأول مرة ــ ما وربما كان في حالة نفسية غير مستقرة, يضعه في بند معتادي الجريمة, فيما قد ينظر القاضي إلى مثل هذه الحالات بالسجن مع وقف التنفيذ لعدم وجود سوابق له باعتبار ان السجن مدعاة للاختلاط بمحترفي الجريمة. الاشارة للاحرف الاولى اما المحامي والمستشار القانوني داؤود سليمان اغا فقد دعا إلى الاكتفاء بالاشارة للاحرف الاولى من اسم المتهم عند نشر تفاصيل القضية عبر وسائل الاعلام, مشيرا إلى ان نشر الصورة تستوجب اقرارا من القاضي يذكره في منطوق الحكم بمثابة عقوبة اضافية. وقال انه لنشر صور المتورطين في القضايا المختلفة سلبيات تطغى على النواحي الايجابية فيه إذ قد يحترف المتهم الاجرام طالما كان مجرما في نظر المجتمع. وأوضح المحامي والمستشار القانوني داؤود اغا ان اشهار المجرمين يجب ان يقتصر على القضايا الحساسة كالجرائم التي تمس أمن المجتمع والاعتداء على حقوق الناس والاعدام, مع ذلك فان الإشهار لايكون الا بعد ان يصدر القاضي حكماً باتا وثابتاً في ذلك. النشر بعد الادانة ويقول جاسم سيف محمد وكيل أول نيابة والقائم بأعمال رئيس النيابة بأم القيوين: يفضل ان يكون نشر الصور أو حتى الاسم بعد صدور حكم الادانة, ويكون حكما قطعيا ويضيف ان هناك فئة معينة من المتهمين (الأحداث) لا أؤيد نشر صورهم أو اسمائهم حتى بعد حكم الادانة بحقهم بل يفترض أن تتم محاكمتهم في محاكمة خاصة ويعامل الحدث معاملة خاصة من جانب الصحافة في حالة ارتكابه لجرم. وأشار جاسم سيف الى ان هناك فئة أخرى يجب ان يراعى عدم نشر صورهم كأصحاب القضايا البسيطة واصحاب أول سابقة حتى لايكون لنشر صورهم تأثيرا سلبيا على حياتهم في المجتمع. أما المتهمون في قضايا النصب والجنايات, فيحبذ نشر صورهم كنوع من الردع, كما يؤيد نشر صور المتهمين الهاربين حتى تكون عاملا مساعدا في القبض عليهم والارشاد عنهم. قضايا لها خصوصياتها وأشار الى ان قضايا النساء لها خصوصيتها خاصة في مجتمعنا ورغم انها قليلة عن غيرها من قضايا الرجال ولكن لا أرى ضرورة لنشر صورها حتى ولو اخطأن الا في حدود ضيقة وفي الجرائم التي تقع كجرائم النصب وان كانت هناك ضرورة للصور فينبغي وضع شريط أسود على الوجه. ويضيف المستشار حمدي محمد التندي القاضي بمحكمة أم القيوين أن الصحافة من أهم الوسائل التي تتجسد فيها حرية التعبير, وهذه الحرية شأنها في الممارسة مثل سائر الحريات لايمكن قيامها إلا في حدود احترام حريات الآخرين. وأشار الى ان هناك قاعدة قضائية تقرر ان حرية الصحافة هي جزء من حرية الفرد العادي مشيرا الى ان الصورة وسيلة فنية تعبر بها الصحافة عن أفكارها وأخبارها وهي في الوقت نفسه تعتبر في القانون من طرق العلانية. وأوضح ان العلانية تمثل في سياق معين شرط من شروط جرائم تمس الشرف والاعتبار مثل القذف والسب وافشاء الأسرار. وبسؤاله حول متى يعتبر نشر الصورة المتعلقة باجراء قضائي امرا مباحا ومتى يعتبر مخالفا للقانون فقال ان اجراءات التحقيق الابتدائي التي تقوم به النيابة العامة والنتائج التي تسفر عنه تعتبر من الأسرار وكشفها يعد جريمة عقوبتها تصل لخمس سنوات. المستشار حمدي التندي: اضاف ان القانون حرم نشر الأمور التي يكون من شأنها التأثير في القضاة أو الشهود في سياق قضية ما حيث يعتبر نشر صورة المتهم قبل عرضه على الشهود من الأمور التي يمكن أن تحدث تأثيرا في الشهود. القانون حرم نشر صور الأحداث وأكد ان القانون حرم نشر أسماء وصور المتهمين الأحداث والمجني عليهم في جرائم الاعتداء على العرض والمحكوم عليهم مع وقف التنفيذ كما حرم القانون نشر التحقيقات أو الاجراءات في دعاوى النسب أو الزوجية أو الحضانة أو الطلاق أو النفقة أو التفريق أو افشاء الأسرار أو الزنا أو القذف. وذكر انه في حالة ما احتوت واقعة النشر ما يمثل قذفا أو سبا في حق أحد الأشخاص فهذا أمر آخر يحق معه للمقذوف تحريك الدعوى الجنائية بشكوى والمطالبة بالتعويض المدني. وتطرق الى الأمور التي لم يمنع القانون نشرها والتي تجرى في جلسات المحاكم العلنية مشيرا الى ضرورة مراعاة الأمانة وحسن النية والا شكل الأمر جريمة يعاقب عليها القانون. وفي الوقت نفسه ممكن ان تمثل نشر الصورة بالصحف طعنا في الأعراض أو خدشا لسمعة العائلات حيث يمثل الأمر هنا جريمة قذف أو سب مشيرا الى مثال أن يسند الى شخص واقعة تنم عن انحراف سلوكه.

تعليقات

تعليقات