ضمن فعاليات ملتقى الثلاثاء الأدبي استضاف اتحاد كتاب وأدباء الامارات مساء أمس الأول الشاعر أكرم قنبس في ندوة قدمها وأدارها الشاعر حسين قباحي, وحملت عنوان(أصالة النص الشعري مفتاح الى النقد)متخذة من ديوان(أسل الموج)للدكتور ابراهيم الوحش نموذجا لها . في مستهل هذه الندوة استهل أكرم قنبس حديثه بالاشارة الى الدراسة التي كان قد كتبها سابقا حول ديوان د. ابراهيم الوحش الصادر عام 1994 وكان بعنوان (امتداد خضرة) ها هو بعد حولين من الزمن يقدم خطوة جديدة تحمل في مضامينها اثنتي عشر قصيدة في كل واحدة منها لوحة فنية. مشيرا الى ان النصوص الشعرية في هذا الديوان, تتمخض عن أفكار ومعان كثيرة, يصعب الإحاطة بها بصورة كاملة ولذلك توقف قنبس عند مجموعة من المحاور هي: قضية الرؤية, والرمز, وقضايا النزف الإنساني, وصورة الطفل الواعد, ثم الغربة, والامتداد الزماني بين الماضي والحاضر والمستقبل, وما يندرج تحت هذه المحاور من الظواهر الاستدلالية والتراثية والشعبية. في القصيدة الأولى (جسر الرمان) حيث ذلك الجسر المطل على سماء الحقيقة, وتحت عيون وضحايا وسنابل هذه الرؤيا للجسر الجريح المبتسم لغيمة الأمل, تشكل تلاحما جديدا, يولد جسرا جديدا, يجعلنا نحس بعمق الإصرار على البقاء والولادة المتجددة, وفي قصيدة (أيا أم الأسير .. سقاك غيث) يخبرنا الشاعر عن تفاؤل كبير في أن عنصر الحب ما يزال مكنوزا في جرار حب, خباياها عتيقة, وهي بهذا الحب الأصيل, ترفض كل اغراءات الغدر والخيانة والتلوث, وتقتلع ما يضرب حولها من أطواق الحصار, وأشواك البغض, حتى تبقى أرض الأجداد دفيئة بهذا الحب, مزغردة له, وللذين يحافظون عليه, ويدافعون عنه. هذا التفاؤل هو الذي يشكل قوة جاذبية الدفع نحو الأمل, فمهما كبرت المأساة, ومهما كان الجرح عميقا, فإن ذلك لايعني الاستسلام والقبول بالأمر الواقع. وفي قصيدة (ماذا وراء الموت) من ديوان (لهيب الانتماء) بشر الشاعر الوحش, بأن أمتنا قابلة للولادة والتجدد دائما, وكذا كانت في معظم العصور التي أحاطت بها رياحها, واشتدت فيها عوامل الانكسار الدامي. وها هو الشاعر (الوحش) يتفيأ ظل سنبله قمح, ولابد من الرعاية والانتظار والتمعن في عنصر الحياة الذي ينعقد عليه تحقق الأمل, وحين تتجذر هذه السنبلة في التراب متحولة الى رمز من رموز الأرض, وإلى رمز من رموز الأمن, الذي تنجلي بتحققه أزمنة الخوف والآلام, وما ان يتحقق عنصر الولادة حتى تفوح رائحة الخير والأمان, وتصبح آلام الأمس ذكرى عابرة, لأن سنابل الحياة الجديدة, الأجيال الجديدة, استطاعت استعادة مواقعها في تربتها الحقيقية. تتجلى الأم في مرآة الشاعر كدافع مستقبلي لأن من سمات الأم أن تتجلى في أبهى صورها المثالية أمام الأبناء, ومن سمات الأبناء أن يقدموا للأم كل تضحية واجبة, وخاصة إذا لم تخرج التضحية عن أبوابها الشرعية, إن الأم تحث الابن البار على الإفادة من الخصوبة المثمرة على صدرها, ويتضح ذلك من تكرار أفعال الأمر: اجعل, هيا, أقبل, ازرع, .. وإن شهوة الأم في الحياة لا تتحقق بجفاء أبنائها وإنكارهم وجحودهم لما وهبته من أجلهم, بل ان هذه الشهوة لا ترتوي إلا برؤية الأبناء, وهم يستثمرون خيرات الأم التي تجود بها من أجل حياتها التي تراها مستمرة في استمرارية حياتهم. ويعيش الشاعر المأساة الدرامية للأم في قصيدته (أيا أم الأسير) حينما يتكئ على الموروث الشعري, ويستعير شخصية الفارس الشاعر (أبي فراس الحمداني) : إذ أن أبا فراس, هو رمز من رموز الإباء والفروسية والهدف, ورمز من رموز الانتماء للأم, إذ لم يتخل أحدهما عن الآخر, ولم يقطع انتماءه وحنينه, متحديان بذلك ما أحاط بهما من ظروف ومآس ومؤتمرات, وكانت النتيجة ان الفارس الشاعر قد وقع في الأسر, ومكث فيه طويلا, تآمراً أو ضعفاً, وكذلك يربط الشاعر تلك المأساة بمأساة الفارس الجديد الذي يزود عن ثغور الأرض الأم, أو الأم الأرض, فتكون مكافأته إما الشهادة, وهذا شرف عظيم له, وإما الوقوع في أيدي جنادب الأرض. وتمضي ورقة أكرم قنبس لمعالجة العديد من النقاط التي تدور حولها قصائد د. الوحش كالطفل بكل ما فيه من معانٍ ومضامين يصعب حصرها لأنها تمثل صورة الحياة والأمل في المستقبل ليدخل في موسيقى المفردات التي تبعث الحياة والحركة في النص وتجعله كلا متداخلا وهو بذلك يختلف عمن يكتبون قصيدة النثر ويجعلون المفردات قوالب جامدة غير متجانسة مع بعضها البعض, الأمر الذي يؤثر على التجانس ويثير الاضطراب, وهنا توقف المحاضر عند بعض الاستشهادات حول هذا الموضوع مستعرضا بعض النماذج من قصائد النثر التي يرفض فيها قنبس الخروج عن الأصالة والخصوصية الشعرية. وبصورة عامة قدمت هذه الندوة اطلالة على تجربة الشاعر الوحش في بعض جوانبها وقد اعتمد قنبس على مجموعة من المصادر والاصدرات الشعرية الخاصة به وبمجموعة أخرى من الشعراء.