وقاية المجتمع من مخاطر الجريمة, ليست مسؤولية جهة واحدة أو شخص معين وإنما هي مسؤولية جماعية تشارك فيها كل الجهات والوزارات والادارات والافراد, إما بالبحث أو الرأي أو وضع الخطط الامنية الكفيلة بحماية المجتمع . ولئن كانت الدولة قد سخرت كل الامكانات من أجل تحقيق هذا الهدف الغالي, فإن على الجهات المعنية أن تشارك بالرأي حول السبل الكفيلة بالوصول الى آليات تحقيق الهدف. والسؤال الآن هو: ما مرئىات هذه الجهات حول سبل الوقاية من الجريمة؟ يرى المستشار محمد صالح الملا, رئيس دائرة التفتيش القضائي بوزارة العدل ان وقاية المجتمع من الجريمة تحتاج الى تدعيم جهود كافة وسائل الاعلام في نشر القيم الدينية والمثل العليا لدى مختلف فئات المجتمع وتوجيه الرأي العام للتصدي لاسباب الجريمة, وذلك من خلال التوسع في البرامج الدينية والثقافية و الاجتماعية الهادفة وتحري الصدق والالتزام بالموضوعية في معالجة الموضوعات والقضايا الامنية وترسيخ التعاون بين الشرطة والجمهور. واضاف الملا ان التلفزيون يستطيع من خلال قوة انتشاره وذيوعه ان يساهم في مجال وقاية المجتمع من الجريمة وذلك من خلال التوسع في البرامج والاعمال التلفزيونية التي تعالج المشكلات الاجتماعية وتسهم في نشر القيم الايجابية لدى مختلف فئات المجتمع وزيادة البرامج المتخصصة في مجال التوعية الامنية, وذلك بالتنسيق مع الجهات المعنية بوزارة الداخلية فضلا عن تدعيم الجهود المبذولة لرفع كفاءة العاملين في مجال الاعلام الامني. ودعا الملا الى زيادة الاهتمام بالاعلام الموجه الى الجاليات غير الناطقة بالعربية وبخاصة الاعلام المرتبط بالتوعية الامنية, وذلك عن طريق تدعيم جهود التعاون والتنسيق بين مختلف وسائل الاعلام التي تخاطب غير الناطقين بالعربية والتوسع في برامج التوعية التي تعرف الجاليات المعنية بقيم وعادات مجتمعنا الى جانب القوانين السارية بالدولة وتنظيم بعض الحملات الاعلامية المكثفة المرتبطة ببعض الامور التي تعني هذه الجاليات بصفة اساسية والتي تدخل في صميم عملية التوعية الامنية ووقاية المجتمع ضد الجريمة. كما انه من المهم الاستفادة من النوادي الاجتماعية والثقافية للجاليات في نشر الوعي الامني بين اعضاء تلك الجاليات. كما يرى ان الوقاية من الجريمة تحتاج الى تفعيل دور روافد الاعلام الامني المتخصص من صحف ومطبوعات وبرامج تلفزيونية من خلال التنسيق بينها وفقا لخطة اعلامية متكاملة مع مواصلة جهود تطوير الرسالة الاعلامية الامنية من حيث المضمون والشكل وتدعيم قنوات الاتصال والتنسيق مع الاجهزة الاعلامية بالدولة فضلا عن زيادة الاهتمام بموضوع الاعلام الامني في الكليات والمعاهد والمدارس الشرطية. تفعيل دور المدارس ومن جانبه قال محمد الكيتوب وكيل وزارة العدل المساعد للشؤون الفنية ان وقاية المجتمع من الجريمة.. تتطلب تفعيل دور المدارس والمؤسسات التربوية في عملية نشر الوعي الامني وتحصين المجتمع ضد الجريمة والانحراف.. وذلك يحتاج الى تشجيع وتدعيم جهود التطوير المستمر للمقررات الدراسية في مختلف مراحل التعليم العام والجامعي مع التركيز على مقررات التربية الاسلامية واللغة العربية والمواد الاجتماعية, وذلك على النحو الذي يجعل هذه المقررات تتضمن قدرا اكبر من القيم الاجتماعية والثقافية والدينية المرتبطة بتحصين النشىء ضد الجريمة والانحراف, كما ان التدقيق في اختيار المدرسين باعتبارهم يقومون بالدور الاساسي في عملية التنشئة والتوجيه والتعليم داخل المدارس.. له دوره الكبير في نشر الوعي الامني الخاص بوقاية المجتمع من الجريمة. واضاف الكيتوب قائلا: انه من الضروري العمل على تطوير مؤسسات رعاية الاحداث الجانحين على النحو الذي يؤدي الى تفعيل دورها في اصلاحهم واعادة تأهيلهم مما يؤدي إلى ابعادهم عن عالم الجريمة او العودة اليه. دور المسجد وفي السياق نفسه يقول فضيلة الشيخ سيد الصاوي, الواعظ الاول بوزارة العدل والشؤون الاسلامية والاوقاف: ان وقاية المجتمع من الجريمة تتطلب ان يكون للمسجد دوره الفعال في نشر القيم الدينية التي تحصن المجتمع ضد الجريمة, واعتقد ان وزارة الاوقاف تسير على هذا الدرب وتعمل دائما على تطوير دور المسجد في مجتمع الامارات.. الا ان الامر يتطلب كذلك تفعيل دور مختلف المؤسسات الاسلامية, وزيادة المنشأت الشبابية على مستوى الدولة وبخاصة مراكز الشباب التي يمارس فيها الشباب هواياتهم مع زيادة عدد الانشطة الشبابية والبرامج الموجهة للشباب من الجنسين. ودعا فضيلة الشيخ سيد الصاوي الى الاستفادة من الرياضيين البارزين من ابناء الامارات في الحملات الاعلامية الهادفة الى مكافحة الجريمة ونشر القيم الدينية والمجتمعية الاصيلة, نظرا لجماهيرية مثل هؤلاء الرياضيين وسعي الشباب نحو تقليدهم والاستماع الى احاديثهم بشغف وحب. كما دعا الصاوي الى تقديم الدعم المادي والمعنوي لجمعيات النفع العام لتؤدي دورها في تحصين المجتمع ضد الجريمة, كما يمكن للجمعيات الخيرية ان تساهم في انشاء معاهد شرعية لتخريج الأئمة والخطباء المؤهلين وذلك بالتنسيق مع وزارة الشؤون الاسلامية والاوقاف. كما أكد الصاوي على ضرورة تدعيم الجهود المبذولة لتطوير المؤسسات العقابية وتحويلها الى مؤسسات للاصلاح والتأهيل, ليخرج منها المجرم انسانا اخر يعمل لصالح دينه ووطنه ونفسه. كما ان ايجاد مكاتب للمصالحة الاجتماعية والشكاوى بالطرق الودية, سيكون لها اثار ايجابية كثيرة على المجتمع في ابعاد الكثيرين عن الاختلاط بالمجرمين وعالم الجريمة. علانية تنفيذ العقوبة اما المستشار علي حسين عيسى- مدير ادارة قضايا الدولة فيقول ارى ان الوقاية من الجريمة تتطلب عدة امور.. اولها توافر الوعي الجماهيري لدى افراد المجتمع على اختلاف درجاتهم ووعيهم الثقافي.. بقوانين الدولة وانواع الجرائم وعقوبة كل جريمة.. وبالتالي فسوف يفكر الشخص الف مرة قبل ارتكابة لاحدى الجرائم, ولاشك ان الدولة تقوم بمجهود كبير لتثقيف الجماهير بالنواحي القانونية بالدولة. ويضيف مدير ادارة قضايا الدولة: كما ارى ان الوقاية من الجريمة.. تتطلب العلانية عند تنفيذ العقوبات المتعلقة بجرائم الحدود, وكافة الجرائم التي ترى الدولة ان نسبتها تتزايد. ويقول: اما ثالث طرق الوقاية من الجريمة فيتمثل في ضرورة صرامة القوانين في الجرائم التي تؤثر في امن المجتمع واستقراره.. وهذه النقطة تدعونا الى القول بضرورة ان يطبق دستور الاتحاد في كافة امارات الدولة, وعلى جميع افرادها- مواطنين ومقيمين- بدرجة متساوية دون تفريق, وان يقرر هذا المبدأ الدستوري في كافة القوانين التي تصدرها الدولة, لمكافحة الجرائم, حتى يشعر الجميع بانهم متساوون, وحتى يعلم من يعتقد ان له ظهرا يحميه, ان القانون سيعاقبهم لا محاله.. فالقوانين لا تكفي الا في وجود قضاء صارم وعادل يعطي كل ذي حق حقه. ويضيف المستشار علي حسين قائلا: إن من الاهمية ان تقوم الاسرة بدورها في حماية نفسها وافرادها من الجريمة عن طريق تنشئة ابنائها بما تتطلبة تلك التنشئة من ترسيخ لقيم الترابط الاسري وترشيد الاعتماد على الخادمات والخدم وانشاء مكاتب للتوجيه الاسري لنشر الثقافة الاسرية السليمة في مجال تربية الابناء. الجريمة والعمالة الوافدة ويقول الرائد محمد صالح بداة- رئيس قسم العلاقات والتوجيه المعنوي بالادارة العامة للدفاع المدني: ان هناك ارتباطا بين الجريمة وتدفق العماله الوافدة على الدولة, تلك العمالة التي تأتي محمله بانماط من السلوك والعادات والتقاليد واللغة المختلفة والمغايرة لمجتمعنا, كما انهم يأتون بجرائم اخلاقية وجنائية, لم يكن يعرفها مجتمعنا.. ومن هنا فانني ارى ان وقاية المجتمع من الكثير من الجرائم, تتطلب الدقة في انتقاء نوعية العمالة الوافدة , كما ادعو الباحثين والعلماء المتخصصين والمفكرين والتربويين, الى دراسة (الظاهرة الاجرامية) واستخلاص الى نتائج وتوصيات يجب تنفيذها. ويضيف رئيس قسم العلاقات والتوجيه المعنوي بالادارة العامة للدفاع المدني قائلا: ان للاسرة دورا كبيرا في وقاية المجتمع من الجريمة.. وذلك ان يكون لها دور فعال ومنظم في تنشئة وتربية الاطفال, و الاشراف عليهم, ومراقبة سلوكهم بكل دقة, بل واستشارة المتخصصين في انماط ابنائهم السلوكية المختلفة. كما ان للمدرسة والمدرس دورهما في عملية الوقاية من الجريمة.. ويتمثل ذلك في غرس القيم والمباديء البناءة في نفوس الطلبة, واعطائهم جرعات دراسية تبين الفارق بين السلوك القويم والسلوك السيء وبين الشخص الناجح الملتزم بمباديء بلده وقوانينها, وبين الشخص الفاشل غير الملتزم بمباديء بلده ولابقوانينها. ويستطرد قائلا ان لخطباء المساجد دورا عظيما للوقاية من الجريمة.. وهو دور له اثرة الفعال.. اذ عليهم القيام بدورهم في توعيه الناس وحثهم على فعل الخير, واجتناب الشر, وعموما فان الانسان شديد الولاء لدينه, مما سيترك في نفسه اثرا طيبا, يجعله يتجنب الكثير من الجرائم. ويوضح الرائد بداة أن الوقاية من الجريمة تتطلب ايضا وسائل اعلام لاتنشر الجرائم فقط وانما تقدم التوعية والارشاد لاعداد جمهور مثقف واع بخطورة الجريمة وعقوبتها. وينهي مدير العلاقات والتوجيه المعنوي بالادارة العامة للدفاع المدني حديثة قائلا: إن تعاون الشرطة والمواطنين سوف يساعد على وقاية المجتمع من الكثير من الجرائم. اما محمد عبد العزيز غنيم, باحث قانوني بوزارة العدل والشؤون الاسلامية والاوقاف- فيقول: يتعين علينا الرجوع الى تعاليم الاسلام والتشريعات الدينية, عند مقاومة الجريمة والوقاية منها في عالمنا الاسلامي عموما, ومن اهم الاسس التي يقوم عليها المجتمع الاسلامي الناجح في مقاومة الجريمة والوقاية منها قوله تعالى: ان الله يأمر بالعدل والاحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون) سور النحل. وقوله تعالى (ولا تقربوا الزنا انه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا) سورة الاسراء. وقوله تعالى ( ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن) سورة الانعام. وأكد غنيم ان اتباعنا لتعاليم الاسلام- وهذا ما تحرص عليه الامارات- يجعلنا نعيش في مجتمع يسوده الامن والامان. تحقيق: عادل عرفة