دعوا المدرس أو المعلم يمارس دوره التربوي على أحسن وجه, فهذا أصل عمله وإلا انتزعت صفة المربي . فالمعلومة أو الدور المعرفي يأتي تباعا بشتى الوسائل في عصر تفجر المعلومات وقد يحصل الطالب على جزئية من المعلومات خافية عن معلمه ومع ذلك لا يمنع هذا ان يواصل المعلم المربي آداء دوره لأن تفوق الطالب في جزئية معرفية لا يعني السيادة التربوية على معلمه. المدرس الذي تصدر في حقه وتضاف عليه أعباء متتالية على مدار السنة الدراسية متى يتفرغ لتربية الطلبة؟! فالتعليم أو التدريس معلومة والتربية سلوك يغرس في الطالب نتيجة تمثل المدرس له أولا ثم اقتداء واقتفاء الطلبة له أثرا ومنهجا في الحياة. قبل ثلاثين سنة من الآن كان المدرس بالنسبة لنا أقرب إلى الأب في تقصي أخبار أبنائه الطلبة الاجتماعية, كانت الأسر تعرفه أستاذا لإبنها وتتشرف بدعوته لزيارتها في دارها وبالمقابل كان الطالب يتشرف بزيارة بيت معلمه اذا وجد متسعا من الوقت واستشكل عليه أمر ما في مسائل الدراسة. هذا النوع من التقارب انعدم الآن لأن المدرس يلهث حتى يلاحق الحصص للانتهاء من المنهج الدراسي في الوقت المحدد فيضطر للجوء إلى الحصص الاضافية لاستكمال المنهج المقرر, فأين للمعلم الوقت الاضافي للمتابعة الميدانية واليومية لطالب من أجل معرفة المتفوق من المتأخر أو الممتاز من الضعيف ثم وضع البرامج المناسبة لتقوية الضعيف وتثبيت المتقدم والحفاظ على تقدمه إلى آخر العام. فهذا الجهد المضني بحاجة إلى المعلم الباحث عن السبل التي تعينه على اللحاق بمتطلبات التربية الفعلية وإلا فإن دوره الحقيقي سوف ينكمش إلى إلقاء الدروس اليومية والأعمال الروتينية, نريد ان تترجح كفة التربية على التعليم لكي تعود الموازنة العملية بين الطرفين. وهذا لن يتم إلا بإعادة التفكير من الناحية الميدانية وطرح السؤال العريض عن مدى تحقق الدور التربوي للمعلم في ضوء الظروف التي أشرنا إليها وعلى الموانع والعوائق التي تطغى على أداء الدور الفعلي للمعلم. فنخشى ان يأتي يوم ونفقد التربية على حساب التعليم والركض خلف أحدث الوسائل والتقنيات التي ليس لها علاقة بالقضايا التربوية المتعلقة مباشرة بالسلوك اليومي للإنسان.