حديث الذكريات :عبيد بن محمد سعيد النيادي: زايد الخير شاركنا حفر فلج هزاع واوصانا بحكمته: بناء الدولة الفتية مرهون بسواعد ابنائها وقوة شبابها

شد انتباهنا للوهلة الاولى وهو يصطحب احد الابناء بمقر منطقة العين التعليمية بهدف مراجعة التوجيه الاجتماعي في امور تربوية هامة. وكان حرصه الشديد على الانجاز والعمل المباشر ومقابلة المسؤولين ومناقشة القضية المطروحة باسلوب تربوي ايجابي يعبر عن تفهم مشاكل العصر والحزم والجرأة وصفات رجولية تكاد تقدم في ظروف غلب عليها الروتين واللامبالاة والفساد الاداري. ظروف قاسية عاشها الاجداد ولكنها خلقت منهم رجالا اقوياء بعزيمتهم استطاعوا البناء والحضارة والتحديث لمدينة عريقة لها آلاف السنين في عمر الزمان وهى مدينة الافلاج والآثار والتحف النادرة مدينة العين اجمل ثاني مدن العالم في جمالها وتنسيقها وعمرانها وتحديثها. انه عبيد بن محمد سعيد النيادي مواطن يعيش في فلج هزاع يقارب التسعين ربيعا ترتسم على تعابير وجهه الصرامة والجدية والحزم, يكتسي المشيب صورته على اللحية الممتدة والشعر الابيض النقي في اطار مميز يجبر على الاحترام والتقدير ويدل على الوقار والكبرياء, طلبنا منه حديثا للذكريات فلم يتسرع بالرد ولكن وعدنا بفترة للتفكير والمشاورة مع افراد الاسرة تعبيرا عن نموذجية العقل وايمانا بمبادئ سامية وحكمة في القول والتأني في الحديث والاعداد الجيد له, وفعلا اخطرنا بعد عدة ايام بالموافقة وتم تحديد الزمان والمكان. استقبلنا عبيد بن محمد استقبالا يليق بصفات العرب وكرمهم وشيمهم وجلسنا في مجلس من التراث كل شيء فيه يتحدث عن حضارة عمرها الآف السنين, وبجانبه صور لاصحاب السمو حكام إمارة ابو ظبي ودولة الإمارات العربية المتحدة. سألناه عن عمره, قال بان السن لدينا ليس له ميعاد مذكور لعدم تواجد السجلات والدفاتر الحالية, كان كل شيء يسير بالطبيعة وما اجملها. ولكنه اضاف بانه عاش حياة معظم اصحاب السمو حكام إمارة ابو ظبي, صاحب السمو الشيخ خالد بن سلطان, وصاحب السمو الشيخ هزاع بن سلطان وصاحب السمو الشيخ شخبوط بن سلطان, ومازال ينعم بالخير والرخاء في ظل القيادة الرشيدة لصاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة اطال الله عمره وانعم عليه بنعمة الصحة والعافية. وبسؤاله عن جواز سفره وبطاقتة الشخصية والعائلية قال بانه تزوج مرة واحدة وانجب 4 اولاد وثمانية بنات, يقيم بفلج هزاع مقر الاسرة والقبيلة المكان المحبب اليه منذ عشرات السنين. الاستقرار وفي عودة مع الماضي واهم الحرف التي عمل بها بمدينة العين يقول عبيد النيادي لم يكن هناك مجال واحد للعمالة فظروف الحياة كانت غير مستقرة ويلزمها التغيير والتنقلات. حرفة السخام ويشير الى انه في البداية كانت اهم الحرف هى جمع الاخشام وحرقها وصناعة السخام (الفحم) وتجميعه والترحال به الى إمارة دبي وابو ظبي والاسواق المجاورة. ويقول بان السعر يعادل 7 روبيات كانت تكفي لشراء مستلزمات البيت من الخبز والحاجات الخاصة به لمدة اسبوعين ويقول بان هذه الحرفة كانت تستحوذ على قبول معظم الشباب الذين يعملون في البر اضافة الى تربية الجمال والاتجار بها في مختلف الاسواق المخصصة لذلك. ويرى بان المرحلة الثانية في حياته العملية كان العمل بجزيرة داس في باخرة استمر اربع سنوات كانت بها انواع مختلفة من الشظف والشدة والمتعة ايضا. حياة البحر ويقول بان حياة البحر علمته الكثير نتيجة التعامل مع امواج لاتعرف الاستقرار ورياح قد تأتي بما لا تشتهى السفن ولذلك لم يستغرق هذا العمل سوى بضع سنوات انتقل بعدها لحياة البر. ويرجع بالذاكرة إلى امد بعيد ويتذكر رحلته مع الجيش البريطاني وقصة عمله والظروف التي دفعت به وموقف الشباب الثائر الرافض للهيمنة الانجليزية والمستغل لثروات البلاد, ويقول كنا نعمل ولكننا رافضون من داخلنا اى نعمة يجنيها الاستعمار من خيرات بلادنا ويعمل على التسخير والاذلال والهيمنة على شعوب المنطقة والمناطق المجاورة. ويتذكر ايام زمان بحلوها ومرها ويقول بأنها كانت فترة في عمر الزمان انتهت واصبحنا ننعم بالخير والرفاهية والامن والامان في ظل الاتحاد وصاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان اطال الله في عمرة وانعم عليه بنعم الصحة والعافية والتوفيق. القناعة بالرزق ويشير الى الراتب الذي كان يجنيه من وراء عمله بالجيش البريطاني وهو 70 درهما ويقول كنا عايشين بهم لانه لم تكن هناك مستلزمات عصرية مثل التي يعيشها الشباب الان كانت تكفي الاسرة دراهم معدودة للحصول على الحب والتمر والوقود وبعض الاشياء البسيطة لزوم الحياة. ويقول عبيد بن محمد بن سعيد النيادي بانه تنقل اثناء فترة عمله بين إمارات الدولة وكذلك بعض الدول ببلاد الشام وايضا الكويت. ويتذكر يوما في ذاكرته مازال معلقا ولا ينسى ابدا وهو عندما اشتد عليه الظمأ في دولة الكويت وذلك منذ عشرات السنين وكانت الكويت مثل باقي بلاد المنطقة تسير في ركاب الدول متواضعة الامكانيات وتوجه الى احد الباعة فطلب منه 15 روبية ثمنا لزجاجة ماء يستشفها الفرد مرة واحدة ما كان عليه الا الدفع لعدم تواجد البديل في هذا الموقع. العمل بالجيش ويروي المرحلة التالية لفترة عمله بعد انهاء خدمته بالجيش البريطاني وهو الالتحاق ببلدية العين موظفا بقسم الصيانة لمدة 27 عاما بعدها خرج على المعاش ويقول بان الدوائر الحكومية لقيت كثيرا من الرعاية والتطوير والتحديث في كافة المجالات وهذه نعمة يعيشها الشباب الان ويكفي وسيلة الانتقال من مكان الى آخر والتي تتم في دقائق معدودة بعكس ايام زمان وخواطر السفر بالركاب والتي كانت تستغرق اياما واسابيع في جو لايسوده الامن والامان بين الربوع والنجوع والصحراء الواهية ولهيب الشمس وقسوة الليل. فلج هزاع وزايد الخير وتحدثنا مع صاحب الثمانين ربيعا او يزيد عبيد بن محمد سعيد النيادي عن بعض الاعمال الخالدة التي حفرها بيده وما زالت محفورة في عقلة ووجدانه قال لا احد من شيبة جيلي ينسى حفر فلج هزاع. ويحكي لنا ماذا حدث اثناء الحفر وهو مبتسم وكأن الماضي البعيد تبلور امام عينيه في هذه اللحظات. يقول كان المفروض ان نحفر الفلج من تربين اي ممرين نبدأ بالاول وننتهى بالآخر, ولكن في وسط المسافة هدم الترب الاول وخرجنا من الثاني بعناية الله وحفظه لنا. ويتذكر حضور صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان عمليات حفر الفلج ويقول كان سموه يتزاور معنا دائما ويشرف على الاعمال بنفسه ويقدم لنا اطيب المأكولات والمشروبات ويشد على ايدينا بالتشجيع والمثابرة ويقول لايبني الوطن الا ابناؤه.. وكنا جميعا نعمل بروح الفريق وكان لدينا احساس بأن هذا الوطن مسؤوليتنا جميعا ولذلك كانت الانجازات تلو الاخرى فما ان ننتهى من فلج حتى نتوجه الى مشروع آخر في التعمير والبناء داخل مدينة صفراء اللون ولكنها واحة وهبها الله جنة الخضرة والمطر والمناخ. ويشير الى استمرارية عمليات الحفر والبناء في فلج هزاع قرابة شهرين حتى ظهر الماء ويقول ما اجمل فرحتنا بهذه اللحظات التي وجدنا ثمار تعبنا تتبلور الى حقيقة وينبع الماء العذب السلسبيل ليروي ظمأ الانسان والنبات والحيوان. حنو الطبيعة ويتذكر ابن الثمانية عقود من الزمان عبيد النيادي الطبيعة بما فيها من ارض ورياح ومطر وحرارة ويقول كانت تلاطفنا وتحنو علينا وكانت اجمل بكثير من الآن, المطر كان غيثه فياض يعم كافة الانحاء ويتساقط في اى وقت يشاء, بعكس الآن الذي نجد فيه سقوط المطر في منطقة مثل النيادات او المربعة او الجاهلي دون الاخرى. ويتذكر حرارة الشمس ويقول بأن الحر كان جميلا وليس قاتلا مثل الآن ويشير الى استمرارية المسير بالركاب ليل نهار دون توقف ومع ذلك كان هناك استمتاع بالرحلة وانتظار للوصول وتحقيق المراد. الناقة ويقول الناقة (الركوبة) كانت بمثابة الصديق الوفي المخلص الذي يلازم الانسان مشوار طريقه الطويل تتحمل معه مشقة السفر ووعورة الطريق وكانت الانيس والعشرة نتساير سويا ونتغنى بأيام السفر بروح طيبة ونحمد الله على السلامة عند الوصول, وكان الرجل يخاف عليها اكثر من خوفه على حياته ونفسه ويحمل لها من الزاد والماء مثله تماما ويلاطفها ويتحاور معها ويشكو اليها همومه. اما النخلة فلها كل الحب والتقدير فهى منبع الخير من روافدها وثمارها حتى جذوعها وزروها. بيوت الزور ويشير الى بيوت زمان التي كانت تصنع من (زور) الجريد حتى الاثاث كان منه, ويقول كانت معظم حياتنا تعتمد اساسا على التمر والبلح احلى الثمار واطيبها والتي ذكرها الله سبحانه وتعالى في القرآن, وكنا نستظل تحتها ونبني بيوتا في حماها ولذلك مازلنا حتى الآن نكرم النخلة كما هى تكرمنا ونحافظ عليها كما تحافظ علينا ونعتز بها ونجعلها تعيش بيننا ومعنا فلا يخلو منزل من جوار نخلة ولا مزرعه بدون فريق من النخيل فهو نبع التراث وله جذوره العميقة من ايام السيرة والصحبة الاولية لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. ويرى عبيد النيادي ان عادات وتقاليد زمان اصبحت نادرة في هذا العصر الحديث ويقول كنا نجتمع نحن الشباب والشيوخ والشيبة في المجلس ونتناقش ونحل جميع مشاكلنا في الحال وكانت حياتنا سهلة بسيطة لم نعرف التعقيدات التي يعيشها شباب اليوم. العاب زمان ويتذكر بعض الالعاب التي كان يمارسها بصحبة شباب القبيلة والقبائل الاخرى المتواجدة في منطقة فلج هزاع والنيادات والمناطق المجاورة ويقول لم يكن هناك لهو بالمفهوم الحديث والمضيع للوقت والمستبد بالمعاصي والمكاره احيانا ولكن كان سمرا هادفا. ويشير الى بعض الالعاب التي كان يمارسها مع الصحبة والشباب مثل (النعيرة) وهى السباق بالحصى وبعض الالعاب الخاصة بالحصى والركاب وسباقه ويقول كنا ايام الاعياد والمناسبات نتجمع في احد المجالس ونتسابق في اعمال فروسية تتميز بالشجاعة والحفاظ على قيمة الوقت. ويقول لا انسى ابدا المطوع ودوره في التعليم لافراد القبيلة والافراح التي كانت تتم عند حفظ القرآن الكريم. ويشير الى تواجد بعض المطوعين الذين يحتمل أن يكونوا أحياء حتى الآن ويفتكرهم جيدا وهم سالم الكندي محفظ القرآن الكريم بمسجد الشيخ محمد بن خليفة ومطوع آخر اسمه احمد بن مفتاح الناصري. ويقول حفظت معظم السور والآيات من الله سبحانه وتعالى دون اللجوء الى المطوع بواسطة بعض الشيوخ والأئمة وحافظي القرآن الكريم واثناء الصلوات. عادات رمضان ويتذكر ايام زمان الجميلة والاستعداد البسيط لها من التمر واللبن والخبز, ويقول كانت الزوجة تعد خبزها بنفسها فهى تجمع الحب وتطحنه بيدها على البر حتى يصبح دقيقا وتقوم بتسويته على النار والخشب. ويرى بانها كانت ايام مباركة جميلة بسيطة سهلة في كل شيء ولكن كان ينقصها الخير الوفير والثمار والبركة التي نعيشها الآن في ظل الرعاية المباركة لصاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة وعصر الاتحاد وجمع الشمل والوحدة التي تتمتع بها كافة إمارات الدولة. وتناقشنا معه حول الزواج ايام زمان والان والمهور والمغالاة واثر ذلك على الشباب قال بأنه دفع لزوجته مهرا قيمته 7 آلاف روبية وهذا مبلغ معقول جدا لاعداد عش الزوجية ومهر العروس اما الآن يقول تغيرت ظروف العصر طغت المدنية والحضارة على كل شيء في المهور والحفلات ويقول بارك الله في توجيهات صاحب السمو نحو الزواج وتحديد المهور وتقديم المساعدات للشباب المقبل على الزواج. ويرى ان الزواج من اجنبية عادة لم تكن موجودة ايام زمان ولم يعرف بها مطلقا ويتمنى ان لايسمع عنها في هذه الايام ويعتبرها جريمة في حق المجتمع الإماراتي والمرأة المواطنة. وبسؤاله عن بعض الامور التي يراها في هذا العصر من تكنولوجيا واجهزة كهربائية ومكيفات وحركات التطوير والتحديث في كل شيء قال هذا الخير وهذه البركة ادامها الله على دولة الإمارات ترجع الى حكمة صاحب السمو الشيخ زايد اطال الله في عمره في جمع شمل الإمارات وتكوين الاتحاد وتوفير كافة سبل الراحة للمواطنين والوافدين المقيمين على ارض الوطن. ويقول اصبحنا ننعم بكل شيء واصبحت الحياة جميلة وسهلة وميسرة عن ايام زمان الصعبة في حياتها القاسية وظروفها المتعسرة وجفافها الناضب. التلفزيون ضرورة بلا هدف ويرى بان هناك اشياء لا تعجبه ولكن شراءها ضروري مثل اجهزة التلفزيون يقول اشتريته ولم اشاهده سوى مرة واحدة فقط ويرجع ذلك الى المستوى الهابط للبرامج والاجسام العارية وخلافه والتي لاتتناسب مع قيم ومبادئ اهل العرب والاسلام والمسلمين, وكذلك ولا يعجبه اعداد تجهيز الطعام من جانب الخادمة ويقول يجب تواجد واشراف الحرمة في المنزل واعداد طعامها بنفسها لزوجها واولادها. ويقول عبيد النيادي بأنه زار الكعبة ثلاث مرات بالطائرة وله حكاية لاتنسى ابدا من ذاكرته عندما اعلن الطيار عن وجود خلل بالطائرة وهو في الجو واضطر الى الهبوط الاضطراري بدولة البحرين ويقول سفرنا زمان رغم مخاطره ووعورة الطريق الا انه كان اكثر امانا ويتذكر في ذلك الركوبة (الناقة) وبسؤاله عن اجود السلالات منها قال ذات الرجول الخفاف, شدتها غير, والتي تربيها على يديك وتعودها على طباعك. نصائح للشباب وقلنا له ما رأيك في شباب اليوم وماذا تنصحهم وتعطي لها خبرات وحكمة 80 عاما على مر العقود قال توجيه الشكر والحمد لله اولا واخيرا لنعمة التوفيق التي حظيت بها دولة الإمارات العربية المتحدة في ظل الرعاية الحكيمة لصاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة فهو رمز الاصالة والخير والوفاء ومثل للماضي البعيد والحاضر والمستقبل ويوصي الشباب بطاعة الوالدين واحترامهم لان طاعة الوالدين من طاعة الله سبحانه وتعالى وثاني نصيحة هى عدم اللعب بالسيارات اثناء القيادة والمحافظة على هذه النعمة وعدم استخدام الموبايل اثناء السير بالسيارة والتأني في السرعة والالتزام بقواعد المرور حفاظا على حياة الابن والآخرين. وثالث النصائح هى عدم الزواج من اجنبية مهما كانت جنسيتها والزواج من مواطنة من اهل دولته لانها تعرف طباعة وعاداته وتقاليده اكثر من غيرها وحتى يستمر التآلف الاجتماعي والمحافظة على الاصالة الاماراتية والهوية الوطنية. واختتمنا الحوار مع عبيد النيادي بتناول القهوة العربية الاصيلة والتطيب برائحة المسك والبخور. حوار: عباس محمد

طباعة Email
تعليقات

تعليقات