مع اطلالة كل عام دراسي, تستقبل مدارسنا افواجاً من الابناء الذين يلتحقون بها للدراسة في الصف الاول الابتدائي ولأول مرة, ان هؤلاء يمثلون قاعدة واساس رأس مالنا البشري , لذا فالعناية بهم تربويا وتعليميا مطلب وطني, يمثل مدخلنا الوحيد لتحقيق الاستثمار الامثل لطاقات افراد اهم شرائح مجتمعنا, واسلوبا وقائيا يجنبنا ــ وإلى حد كبير ــ ظاهرة الهدر الناجم عن التسرب والرسوب والفشل. من هنا رأينا ان نعكس جوانب من خصائصهم التي يحملونها معهم إلى المدرسة, عسى ان ينطلق المربون من حيث هي باتجاه تنميتها وتطويرها, فالقاعدة التربوية الذهبية تقول: ابدأ مع الطفل من حيث هو ثم انقله إلى ما تريد. يأتي الاطفال إلى المدرسة وهم يتوقعون منها الحصول على الادراك الواعي لاحتياجاتهم, ويأملون في الوقت نفسه الظفر بحب واحترام مدرسيهم وزملاء الفصل. وهم بالاضافة إلى ذلك يحملون قابلية فائقة لتقبل التعلم, ومهما كانت بيئاتهم فهم متفائلون بمستقبلهم. فالواحد منهم ــ وان كان بينهم عدد قليل جدا من الفاشلين ــ قد اعتاد خلال السنوات الخمس الاولى من حياته ان يؤدي عمله بصورة مرضية, وهو بالاضافة إلى ذلك على ثقة من انه سوف يستمر كذلك, وقد تضعف درجة ثقته هذه لكنها في كل الاحوال تظل فعالة لمدة خمس سنوات اخرى تقريبا, ومن هنا تأتي اهمية وخطورة المرحلة الابتدائية وخاصة صفوفها التأسيسية في تحديد معالم مستقبل مسيرة المتعلمين التعليمية, فما الذي جعله كثير النجاح واثقا وشديد التفاؤل قبل دخوله المدرسة؟ ان الواحد منهم كان ناجحا لانه قد استخدم عقله في التغلب على المشكلات المتعلقة بحياته, وكان متفائلا لانه ينعم بالمرح, والاهم من هذا وذاك, انه كان اذا فشل في امر ما لا يسمى فاشلا ولا يوصم بالفشل, وكان كل ما يطلب منه واضحا وقابلا للفهم إلى حد ما, والفرص التي تمنح له كثيرة, لذا كان ينجح في آخر المطاف, ولم يكن مطالبا بالنجاح وفقا لمقاييس زمنية جامدة, وكان ناجحاً لانه تعلم استخدام عقله في وظيفته الاساسية (التفكير) . اظن ان الهيئات التدريسية في مؤسساتنا مؤهلة لاحتضان اطفالنا بواقعهم المتفائل ومن ثم العمل على تطويره وتنميته محققة بذلك نجاحها ونجاح طلابها في تجربتهم مع مدارسهم, وهي تدرك ايضا بأن العبث أو الاستهتار بأمل الطلاب وتوقعاتهم, وتحطيم اي جانب من جوانب ذلك المظهر المتفائل الذي يحملونه من شأنه ان يخلق اخطر المشكلات المدرسية ومن ابرزها ظاهرة الفشل خاصة في المرحلة التأسيسية. صحيح ان ثقة الاطفال بالنجاح والتي يحملونها معهم إلى المدرسة قد تضعف, ولكنها في كل الاحوال تظل فعالة لمدة خمس سنوات اخرى على الاقل. من هنا فان سنوات ما بين الخامسة والعاشرة من العمر تغدو حرجة جدا, فالفشل خلال هذه الفترة يمكن تحاشيه إلى اقصى حد ممكن خلالها, واذا حدث يمكن ان يصحح خلال هذه السنوات في حجرات الدراسة, إذ يمكن للتجربة المدرسية الجيدة ان تعالج الفشل لدى المتعلم ويكون ذلك سهلا في سن ما قبل العاشرة, وبعدها تكون فرصته في التجربة التربوية اضيق, فكلما كانت عملية العلاج مبكرة, كلما كانت فرص نجاحها اكثر, وعلى العموم فانه يمكن القول انه بالرغم من امكانية مساعدة الاطفال في اي مستوى مدرسي الا ان المجهود الاعظم والاكبر يجب ان يبذل في المدارس الابتدائية وخاصة في الصفوف التأسيسية منها. وان فشلوا في مواصلة التعلم وفق معدلهم السريع الذي اتوا فيه إلى المدرسة, فإنا قد نعود باللائمة على عائلاتهم ان شئنا أو على بيئتهم الا اننا نكون اكثر حكمة لو عدنا باللائمة على تجربتهم في المدرسة. ان المدرسة بالنسبة لمعظم الطلاب الصغار هي الجانب الوحيد من عالمهم الموجود منذ البداية لأجلهم, فاذا فشلت في القيام بالوظيفة الموكلة لها, فينبغي لنا الا نبحث عن كبش فداء في البيئة, فهل لنا بعد ذلك ان ننطلق مع هذا العام الدراسي تحت شعار وقاية الابناء من الفشل خير من علاجه؟