نعرف شابا مكث فترة ليست بالقصيرة من عمره في وظيفة واحدة بالكاد تسد رمقه او كما نسميه(سد وبد)ولكن بعد أن تكاثرت عليه المسؤوليات فكر مليا في ترك هذه الوظيفة غير المفيدة قانونا ولا عرفا بأي نوع من أنواع السلم الوظيفي المعروف في القطاع العام او الخاص . فبدأ بشراء قارب صيد صغير وظف فيه بعض العمال, فخرج معهم قبل بزوع الفجر بساعة الى البحر في رحلة صيد ممتعة, استطاع خلالها توفير قوته وقوت عماله قبل بلوغ الشمس كبد النهار. التقينا بهذا الشاب بعد فراق سنوات بسبب ظروف الحياة المتقلبة فاذا به يتحدث عن رحلة الوظيفة الجديدة التي قلبت حياته ظهرا على عقب وضرب مثالا على هذا الانقلاب قائلا: يكفي ان راتبي الشهري يساوي الآن راتب وكيل وزارة ان لم يزد عليه في بعض شهور السنة وفقا للمواسم الغنية بالأسماك. فهذا النمط هرب من ضغوط العمل الروتينية والرتابة المملة الى عمل آخر أكثر خطورة وأكبر ضغطا ومشقة ولكنه استطاع ان يتكيف عليه ايجابا, بل أصبح بالنسبة له متعة العمر وتسلية النظر بين خطوط الامواج وقيعان المياه الرائعة في الجمال عند شروق الشمس في الصباح الباكر من كل يوم جديد ورزق وفير. مثال آخر من واقع مجتمعنا وشبابنا التواق الى صناعة الأفضل لحياتهم وتحمل المشاق المضنية وعدم الرضوخ القسري لضغوط العمل دون خلع النجاح من بين أضراس تلك الضغوط. فهذا شاب اخر تخرج من أرقى الجامعات الامريكية وعاد الى بلده حاملا معه بدل الشهادة, مجموعة من الشهادات في تخصصات دقيقة مختلفة, فهذه كلها في كفة ومجموعة اخرى من المهارات التجارية البديعة في كفة اخرى. فبدأ حياته الأولى كأي خريج في مؤسسة حكومية موظف ملتزم بشروط الوظيفة التي تم تعيينه فيها, مع ان ضغوط هذه الوظيفة لم تكن سهلة وبالذات عندما تتطلب الاستعداد الدائم للسفر والطارئ فيه أكثر من المعتاد. لم تمر شهور قليلة حتى قدم استقالته عن قناعة تامة, والمهم في هذه القناعة ان صعوبة ظروف وضغوط العمل اليومي لم يكن له دور في اتخاذ خطوة الاقدام على الاستقالة في الوقت الذي ينتظر فيه الألوف من المواطنين قطار التعيين, فالاستقالة في هذا الظرف يكون أقرب الى المجازفة منها الى التروي ثم التراجع. ولكن اسلوب تفكير هذا الشاب لم ينصب على هذه المسألة لأن فكره كان دائما للأبعد مدى وذلك بعد رسوخ القدم ومعرفة ما تحتها من العقبات او المحفزات. فاتخذ قراره في العمل لحسابه الخاص في وظيفة يستخدم فيها جل المهارات التي امتهنها في امريكا وهو في سفرات مكوكية شبه يومية يجوب خلالها أجواء السماء والأرض دون كلل أو ملل وهو أحد خريجي ضغوط العمل الى نجاح الأمل.