رغم تفشي وانتشار الدجل والشعوذة في المجتمعات القديمة نتيجة لقلة الوعي وبساطة الحياة والاعتماد على الاساطير والخرافات التي يتناقلها جيل بعد جيل, الا ان المثير للدهشة ان تطفو هذه الظاهرة مرة أخرى على سطح الحياة الحديثة, ونحن على مشارف القرن الحادي والعشرين , وبعد انتشار التعليم والتقنيات الحديثة وسيادة عصر الفضاء والتكنولوجيا, وكأن الحياة ترتد بنا الى الخلف لا الى الأمام. فقد انتشرت في الآونة الأخيرة عصابات من المجرمين الأذكياء الذين تخصصوا في الايقاع بضحاياهم من المتعلمين والتجار وبعض رجال الأعمال بزعم مضاعفة أموالهم واستخدام الحيل والخرافات والأساليب البدائية المتخلفة لهذا الهدف. ومع تزايد هذه الجرائم في دول الخليج وتفاقم خطورتها على الاقتصاد القومي حرصنا على اللقاء مع الرائد سعيد علي سعيد مدير ادارة البحث الجنائي بشرطة الشارقة الذي أكد ان مضاعفة الأموال عن طريق استخدام أساليب الشعوذة والدجل بدأت تنتشر في مجتمع الامارات منذ فترة وجيزة, وبالتحديد قبل خمس سنوات تقريبا, وهي تدخل ضمن جرائم النصب والاحتيال, حيث يستغل مرتكبوها ضعاف النفوس ورغبة بعض الافراد في مضاعفة أموالهم والسعي لزيادتها دون أوجه منطقية, وإن كانت هذه الظاهرة بشكل عام قد طفت على السطح على المستوى العالمي في الآونة الأخيرة, حيث بدأت عملياتها في أوروبا وأمريكا. ويقوم بمعظمها أفراد من الجنسيات الأفريقية وهم عصابات متخصصة ومنظمة تحتال على أبناء المجتمعات العربية وخاصة الخليجية مستغلة القصور التشريعي والثغرات القانونية التي لا تواكب التطورات الراهنة في عالم الجريمة, بالاضافة الى مبدأ الحرية الاقتصادية والموقع الجغرافي المتميز لدول الخليج وارتفاع نسبة الوافدين وتواجد جاليات متعددة منهم تتمتع بحرية العمل والتجارة والتنقل والاستثمار مما هيأ المناخ لهذه العصابات للايقاع بضحاياها. وأشار الى ان هناك العديد من الحيل والطرق الملتوية التي يلجأ اليها أفراد هذه العصابات لاقناع بعض الفئات التي لا تتمتع بوعي كاف بمضاعفة أموالهم, ونجحوا ــ بالفعل ــ في الحصول على مبالغ طائلة منهم بالعملات المختلفة المحلية أو الاجنبية. وقد سجلت شرطة الشارقة في عام 1996 خمس حالات, وفي عام 97 أربع حالات, وفي 98 حالتان, ومعظم الضحايا كانوا من العرب رجالاً ونساء وخاصة كبار السن. ومما يثير الدهشة ان هناك فئة كبيرة من المتعلمين والمثقفين وقعوا في شباك هؤلاء النصابين, وكذلك أفراد آخرون تراكمت عليهم الديون فحاولوا تجربة هذه الوسيلة أملا في تسديد ديونهم متجاهلين المنطق والعقل, وقد بلغت جملة المبالغ التي استطاعت شرطة الشارقة استردادها واعادتها الى أصحابها حوالي 6 ملايين درهم, بعد ضبط أفراد العصابة, وان كان الكثير ممن وقعوا ضحايا لهم لم يبلغوا الجهات الأمنية خشية السخرية واتهامهم بالغفلة وقلة الوعي أو الطمع والجشع. أسلوبان للتحايل وردا على سؤال حول أساليب أو حيل هؤلاء النصابين قال الرائد سعيد علي سعيد: ان هناك اسلوبين عادة ما يتبعهما هؤلاء المحتالون, وهما الأول, الاسلوب الكيميائي, حيث يدخل معظمهم الى المحلات التجارية ويقومون بشراء بعض الأشياء البسيطة بمبالغ كبيرة متظاهرين بالثراء الفاحش, وعندما يسألهم أصحاب المحلات أو التجار أو بعض الفضوليين المتواجدين عن السر, يقولون ان الأوراق المالية متوفرة لديهم بكثرة ويحاولون اقناعهم بقدرتهم على مضاعفة الأموال بطرق مضمونة وباستعمال أوراق خاصة جاهزة لهذا الغرض يحضرونها من بلادهم, ثم يطلبون من الضحية زيارتهم في الفندق أو مكان اقامتهم ويأخذون منه في البداية مبالغ بسيطة لمضاعفتها أمامهم حيث يقوم أحد أفراد العصابة المدربين وبطريقة كيميائية بوضع (الورقة المالية) بين قصاصتين من الورق بنفس حجم العملة الورقية الأصلية, ويضعون محلولا داكن اللون يميل الى السواد أو باستخدام قطعة قطن محملة بالمادة الكيميائية ثم يمررونها على المبلغ المالي والقصاصتين فتتحول كل الأوراق الى اللون الداكن ثم يغلفونها بمحارم ويضعونها على الأرض, ويطلب المحتال من الشخص الضحية الضغط أو الوقوف عليها أو وضع اي ثقل لكي تتم عملية الطباعة وبعد ذلك يأتي احدهم ببعض الماء المخلوط بمسحوق الصابون ويحرك الماء لعمل رغوة كثيفة. وفي هذه الحالة والحديث مازال للرائد سعيد يضع الاوراق في اناء الماء بهدف التنظيف وغسل المادة الكيميائية الموجودة عليها, وبعد ذلك يجفف الاوراق المالية ويتم كيها بواسطة مكواة لتثبيت الطباعة والالوان, ويقوم باعطاء الورقة المالية الاصلية بالاضافة الى الورقتين اللتين تحولتا حسب زعمه الى ورقتين ماليتين للشخص الضحية ويطلب منه ان يقوم باختبار احداها والتأكد من سلامتها من اي بنك يرغبه. ونظرا لكون الورقتين النقديتين صحيحتين فعلا حيث تم استبدالهما بدلا من القصاصتين المزيفتين اثناء غسلهما غسلهما وجود رغوة الصابون وخفة يده في خداع الضحية, واستبدال القصاصات بعملات اصلية, وعندما يتحرى عنها الضحية في احد البنوك يجدها سليمة 100% وبذلك يستطيع المحتال اقناع ضحيته بأن ما شاهده عملية متقنة وحقيقية وليس بها اي تزوير يمكن كشفه ويقوم الشخص المذكور (صاحب المحل) بنقل ما شهده الى تجار آخرين. وبالتالي يدفعون له مبالغ كبيرة طمعا في مضاعفتها فيأخذها الجاني ويهرب بها. دجل وهروب وعن الأسلوب الثاني.. قال الرائد سعيد على سعيد ان الجناة يعتمدون في هذا الاسلوب على الشعوذة والدجل والغيبيات بمعنى اقناع الشخص بأن له اتصال بالارواح التي تقوم بدورها بمضاعفة امواله اذا توافرت الشروط المطلوبة, وهي تجهيز مكان خالٍ, وبعيداً عن العمران, واحضار المبلغ المراد مضاعفته حيث يقوم الشخص المحتال باطلاق البخور الكثيف في الغرفة والبقاء لفترة من الزمن بها وانتهاز الفرصة المناسبة للهروب بالمبلغ الكبير وهي طريقة تستغرق فترة زمنية قد تمتد الى اكثر من يومين تقريبا لاقناع ضحاياه. وبعد هروبه بالمبلغ الكبير يدعي المرافقون او الوسطاء الذين يروجون له انهم لا يعرفونه بل سمعوا عنه فقط ايضا وحضروا هم ايضا لمضاعفة اموالهم وخدعهم, ايضا وفر بأموالهم. واحيانا يتم اختيار المكان من قبل الضحايا انفسهم ويوافق عليه افراد العصابة والدجالون في حالة ملاءمته لتنفيذ مخططهم ووجود مخارج تسمح بالهروب بعد الاستيلاء على الأموال. قدرة على التخطيط ويشير الرائد سعيد علي سعيد مدير ادارة البحث الجنائي بالوكالة بشرطة الشارقة ان الجناة في مثل هذا النوع من القضايا يتمتعون بذكاء وتعليم متوسط في اغلب الاحوال, ولكن لديهم قدرة على التخطيط للجريمة والهرب بعد تنفيذها, وهناك بعض الجناة يلجأون الى تأثيث مكان خاص بهم بأحدث الاثاث ويختارونه في ارقى وافخم المواقع, ويكون مجهزا بهواتف واجهزة فاكس وكمبيوتر. ويحيطون انفسهم ببعض الموظفين المعاونين لهم والمدربين على النصب والاحتيال, حتى يمكن ايهام الضحايا بثقل الشخصية ووزنها. واحيانا يقوم النصاب بالحديث مع شخصية وهمية عبر الهاتف او هيئة كبرى لمضاعفة اموالهم واقناعهم بالربح الهائل الذي حصلوا عليه او يلجأون الى عقد مقابلة مع شخصية ما وخداع الضحايا بأن هناك قائمة انتظار طويلة من بعض الراغبين في مضاعفة اموالهم, وهناك طريقة اخرى بأن يقوم بعض الاشخاص ممن يعملون مع العصابة بوضع مبالغ كبيرة امام الضحية واضافة كلمات التهاني والتبريكات كل هذه بهدف جمع اكبر مبلغ ممكن من الضحية. شبكة معلومات أمنية وعن الاجراءات التي تقوم بها الجهات الامنية للحد من هذه الجرائم ومحاصرة مرتكبيها او حماية المجتمع منهم, قال الرائد سعيد علي سعيد ان هناك شبكة معلوماتية تربط بين شرطة الامارات وغيرها من الجهات الامنية بالدول الاخرى من خلال الحاسوب ووسائل الاتصال الحديثة وغيرها حيث يتم ابلاغ كل الجهات من موانىء ومطارات بأوصاف الجناة واسلوبهم, وكذلك ابلاغ الجهات المختصة في ادارة الجنسية والهجرة وخاصة الذين يأتون بتصريح زيارة او ترانزيت حتى يمكن ملاحقتهم, وكذلك الكفيل الذي ادخلهم الى البلاد, مع تعميم وادراج اسماء الذين ضبطوا في هذه القضايا لعدم دخولهم البلاد مرة اخرى بالاضافة الى نشر قضاياهم في وسائل الاعلام المختلفة لاطلاع الناس على حيلهم وتوعيتهم بأساليب الخداع والتحذير منها ونشر صورهم ومطالبة الجمهور بالتعاون مع الجهات الامنية حتى يتم ضبطهم واحكام الرقابة عليهم. وعبر عن امله في تشديد العقوبات على هؤلاء المجرمين وردعهم. واوضح ان مثل هذه القضايا تدخل في اطار جرائم النصب والاحتيال التي تطبق عليها المادة 339 من قانون العقوبات الاتحادي. وقد ضمها المشروع تحت مادة واحدة. حوار: ماجدة شهاب