يمثل التراث في الوقت الحالي اشكالية حقيقية, ولعله الآن من أكثر القضايا التي تشغل بلدان العالم والعاملين في حقول البحث الاجتماعي والثقافي, فالتهديد الذي ظهر خلال السنوات المنصرمة لا يتجه نحو التراث باعتباره ظاهرة حضارية مستقلة يرغب بنسفها , بل يتوجه تماما لالغاء مسألة الخصوصية والاستقلالية ترويجا لفكرة العالم الواحد المفتوح الذي لا تشغله شاغلة غير إنغماس هذه الشعوب في قضايا العالم صاحب الملامح الواحدة. هي مسألة على غاية من الخطورة لأنها تزيل عن الوجود الملامح الأساسية وتعيق تلك العلاقة العفوية بين الأجيال وسياقها التاريخي لدرجة لا يعترف فيها الفرد أو يشعر بأية ولاءات لتاريخه وماضيه وحضارته بل للقوى والعوامل التاريخية الجديدة التي يروج لها النظام العالمي الجديد. ولذلك فإن قضية استعادة التراث وتفعيل حضوره في بنية المجتمع من الأمور الشاقة والتي تحتاج الى امكانيات هائلة تتعدى الظرف المادي والزمني إلى حالة تربوية وثقافية اجتهادية تؤسس لاعادة خلق ظروف ومناخات التعامل اليومي مع المعطيات التراثية بشكل تتحول الحالة العامة إلى مناخ يبرز فيها التراث كشيء عادي يومي يدخل في نسق الحياة وفاعليتها. هذه النقطة ليست بهذه السهولة وفي ظل المتغيرات والتطورات الاقتصادية الكبرى تصبح عملية استعادة حضور التراث حالة على غاية من الحساسية والصعوبة, لأن الانسلاخات اليومية والتحولات الفكرية والثقافية لدى الأجيال الجديدة تجعل من حالة التقبل والاندماج العفوي حالة شاقة الى درجة الاستحالة وخاصة ان المقومات التربوية والتعليمية لهذه الأجيال لا تراعي مسألة التعريف بالتراث ومقوماته. دبي عاشت على مدى الاسبوعين الماضيين فعاليات تراثية متنوعة, شهدنا خلالها أهم الملامح والظروف الحياتية والاجتماعية التي كانت تعيشها المنطقة سابقا قبل ظاهرة النمو الاقتصادي التي غيبت معها الكثير من الخصوصيات كأمر تلقائي طبيعي تتطلبها مثل هذه التحولات. اسبوعان حافلان عاش فيهما رواد الأسواق والأماكن العامة حالة خاصة, حيث توزعت المشاهد التراثية بأنواعها ومفرداتها على كافة هذه الأسواق مستعرضة ما كانت عليه الحياة السابقة, شهدنا الدشة والقفال كرحلتين تحملان في طياتهما الكثير من المعاني الانسانية والتاريخية, ومضت بنا الرحلة نحو اليوميات العادية من مأكولات شعبية, وحنة تزدان بها النسوة جمالا واناقة, الخيم العربية وبيوت السعف وما فيها من بساطة وآريحية وكرم, القهوة العربية وتلك النكهة الغريبة التي تحمل معها صدى الجلسات الاليفة التي كانت تربط المجتمع وتجعله متماسكا مترابطا الى اقصى درجات الترابط. وفي مواقع اخرى كانت الحرف اليدوية بأنواعها للدلالة على المهارة والخبرة في تطويع كل ما هو موجود الى مستخدمات يومية فلا شيء يرمى ما دام قابلا للتحويل والاستخدام هذه البساطة العفوية والتفاصيل الصادقة كلها تجمعت في الاماكن العامة ورغم الفروقات التي يستشعرها المتابع بين كافة هذه المضامين الحميمة والمراكز التجارية الحديثة والضخمة الا ان الظاهرة بحد ذاتها تجعل من الامر على غاية من الحساسية. اما الليلة الختامية التي اقيمت منذ يومين جمعت في مضامينها كل تلك الاحداث باحتفالية كبيرة لخصت فعاليات الايام المنصرمة وقالت ان كل هذا التراث يجب الايزول وان توضع كافة الامكانيات لحماية هذا المخزون الحضاري والثقافي. وبالصورة العامة فان هذه الفعاليات التراثية التي جاءت ضمن مفاجآت صيف دبي قدمت دلالات واضحة على ذلك التجاوب والعلاقة الدفينة التي تربط بين الناس وتلك الازمة البعيدة والقريبة, ولذلك نعيد الاشارة الى ان اعادة هذه العلاقة لابد ان تبدأ من الصفر, ومنذ الطفولة والمدرسة والجامعة فليس اجمل من ان يدرس الطالب ويتعلم اضافة الى الرياضيات والفيزياء واللغة الانجليزية مادة تحمل عنوان (تراث الامارات) ولا يفوتنا ان نذكر ان هذه الفعاليات تضمنت حملة من المعارض التشكيلية والفنية التي حملت في مضامينها ذاكرة المنطقة وتاريخها. كتب - حازم سليمان
