اكد المستشار حمد ابراهيم يعقوب المحامي العام رئيس نيابة الاستئناف بالشارقة لـ (البيان)ان العالم في سباق كبير مع الزمن, من اخذ العمل بالبدائل الواقعية لعقوبة السجن او العقوبات المقيدة للحرية, خاصة بعد ان اثبتت تلك العقوبات فشلا ذريعا في التصدي لمختلف الجرائم, في الوقت الذي حققت فيه البدائل الواقعية لتلك العقوبات نجاحات كبيرة في العديد من الدول التي اخذت بها . ويضيف المستشار حمد ابراهيم قائلا: ومع تسليمنا بضرورة ايجاد البدائل للعقوبات المقيدة للحرية.. الا انه يجب ان نعلم بضرورة ان يبقى السجن قائما لمواجهة مرتكبي الجرائم الخطرة, والعابثين بأمن الاوطان. - قوانين الدولة بها البدائل وحول مدى اشتمال قوانين الدولة على بدائل العقوبات المقيدة للحرية يقول المستشار حمد: في الوقت الراهن لدينا كثيرا من القوانين العقابية التي اخذت بهذه البدائل ومنها قانون العقوبات الاتحادي في الدولة, ويتجلى ذلك واضحا فيما ذهب اليه المشرع من جواز الحكم بعقوبة الغرامة في الجنح, اذا كان كلتا العقوبتين منصوص عليهما اختيارا, او كانت العقوبة المقيدة للحرية المقررة للجريمة ليس لها حد ادنى, وتوافرت في الجاني حداثة السن او رأت المحكمة ان ظروف الجريمة او المجرم تستدعي الرأفة, جاز لها استبدال العقوبة بالغرامة, بل ذهب المشرع الى ابعد من ذلك حسين قرر للمحكمة بأن تحكم بالعفو القضائي عن المتهم متى توافرت في الجريمة الظروف والاعذار القانونية.. مما يشير الى تساير المشرع بالاخذ بمبدأ ايجاد البدائل للعقوبة المقيدة للحرية كما يظهر جليا ان المشروع جعل من خطوره الجريمة وجسامتها معيارا للحكم بغير العقوبة المقيدة, فنجده مثلا في الجنايات مهما نزل بالعقوبة عن حدها الادنى الا انه يتمسك بتطبيق عقوبة من جنس العقوبة المقررة (الحبس) , ولهذا نجد المشرع قد صنف الجرائم, ليس لكل نوع منها عقوبة تناسب خطورتها ومدى تأثيرها على المجتمع.. ومع ذلك ايضا فإن المشرع اولى الروابط الاجتماعية والاسرية اهمية خاصة, حين قرر في المادة 16 اجراءات, بانقضاء الدعوى الجزائية, اذا تنازل المجني عليه عن حقة في بعض الجرائم التي لها مساس مباشر بحقوقه المالية والبدنية, وذلك اذا كان الجاني زوجا او احد اصوله او فروعة.. وذلك رغم خروج الشرع عنوة على القواعد العامة في مباشرة الدعوى العمومية ويهدف من ذلك المحافظة على اواصر القرابة بعيدا عن التلويح بالعقاب, مما يدل على ان المشرع يسمو بالعقوبة الى مرتبة الاصلاح لا الزجر, كما يدل على حرص المشرع على ايجاد بدائل للعقوبة المقيدة للحرية. - القانون يتقي شر الخارجين عليه ويضيف رئيس نيابة الاستئناف بالشارقة قائلا: ان المشرع اجاز كذلك للمحاكم ان توقف تنفيذ العقوبة المقيدة للحرية لمن لا تزيد مدة حبسهم على سنة, بل واعطى المحكمة الحق في ابعاد الاجنبي المحكوم عليه في جنحة بدلا من الحكم عليه بالسجن, وذلك ليتقي شره اذا اختلط بأفراد المجتمع ومنهم نزلاء المنشآت العقابية وحفاظا على الاموال العامة.. كما اجاز القانون للمحكمة ان تحكم بالايداع في مأوى علاجي اذا كان الجاني مجنونا او به مرض نفسي, او ايداعه في مؤسسات العمل الاصلاحي, اذا كان معتاد الاجرام. كل ذلك يدل على مدى حرص المشرع على ايجاد بدائل للعقوبات المقيدة للحرية.. - القانون وحماية جيل المستقبل ويضيف قائلا: وفوق كل هذا نجد القانون الاتحادي رقم 9 لسنة 76 الخاص بالاحداث الجانحين والمشردين, الذي افرد له المشرع تنظيما خاصا بعيدا عن القوانين العقابية يهدف الى حماية جيل المستقبل فمنع تحريك الدعوى العمومية ضدهم ممن لم يبلغ السابعة من عمرة.. واذا اتم السابعة ولم يبلغ السادسة عشرة, حكم عليه بالتدابير المنصوص عليها وهي التوبيخ, التسليم, الاختبار القضائي, منع ارتياد اماكن معينة, حظر ممارسة عمل معين, الالزام بالتدريب المهني, الايداع في مأوى علاجي او معهد او دار للتربية او معهد للاصلاح, او الابعاد عن البلاد. ويقول المستشار حمد: كما اجاز القانون وقف تنفيذ العقوبة في الحالات التي يجوز فيها الحكم على الحدث بعقوبة الحبس, واجاز ايداعه مراكز الرعاية او تسليمه لمن يتولى رعايته.. كل ذلك حفاظا على مستقبله بعيدا عن دور المنشـآت العقابية. - الوعي القضائي ويقول المحامي العام بالشارقة: لم يبق بعد ذلك الا ان يتسم المنوط بهم تطبيق القانون بالوعي القضائي, لكي يعوا خطورة هذه العقوبة المقيدة للحرية ولا سيما جهات الاستدلال والتحقيق, التي امامها من البدائل الكافية في القانون كالكفالات المالية والضمانات الشخصية ما يضمن لها تطبيق القانون وسلامة إجراءات التحري والتحقيق قبل إحالة الدعاوى الى المحاكم.. كما اننا نطالب بإعادة النظر في عقوبات بعض القوانين المبنية اساسا على الخطأ غالبا والاهمال, مثل قانون السير والمرور وان يسن لها بدائل للعقوبات المقيدة للحرية واستبدالها بالغرامات والتدابير الاحترازية, حسب خطورتها, وكذلك الجرائم التي لها صلة بالأموال الخاصة كما هو عليه الحال في قانون قمع الغش التجاري. - بدائل يجب الاخذ بها وحول البدائل الاخرى التي يقترحها يقول المستشار حمد يعقوب: ان لدينا اعرافا وتقاليدا واصول اجتماعية بها ما يصلح ان يكون قاعدة تشريعية لفلسفة عقابية ناجحة, خاصة وانها نابعة من المجتمع الذي انطبع الفرد على عاداته وتقاليده.. ولذلك فإنني ارى انه ليس هناك ما يمنع كل دولة, ان تقرر من القواعد التشريعية والعقابية ما يضمن مصالحها, وفوق كل هذا فإن التشريع الاسلامي يلزم الدولة الاسلامية ان تقيمه فوق إقليمها مما يجعل تطبيقه فيها اولى من تطبيق تلك المبادىء الدولية التي تتعارض معه والتي منها العقوبة المقيدة للحرية.. وذلك فإننا نقدم عدة بدائل لتلك العقوبة منها. 1- التحكيم الجنائي.. وهو ان يتفق الجاني والمجني عليه على حكمين يمثلانهما ويتفقا على حل النزاع بينهما قبل وصوله الى القضاء.. ومن هنا فإننا نطالب بان يتوسع القانون لكي يتضمن جرائم اخرى غير التي نص عليها واشترط لتحريكها شكوى خطية. 2- الصلح.. ويقصد به تلك الجرائم التي يكون الضرر بها حالا على شخص المتهم.. ففي مثل هذه الجرائم من القضايا.. لو تم النص عليها صراحة بالحكم بسقوط العقوبة في حال وقوع الصلح بين الطرفين لكان هناك باب اخر تم فتحة لاغلاق باب العقوبات الأصلية ومنها المقيدة للحرية ومع انعدامها في التشريع العقابي في الدولة فإننا نطالب بالنص عليها طمعا في مزيد من الاصلاح والتخفيف عن كاهل الدولة المادي. 3- مجالس الصلح القبلية.. بديل ثالث لعقوبة السجن ونرى انه ليس هناك ما يمنع من النص عليها في القانون على ان تحدد اختصاصاتها وفقا لمقتضيات العدالة ومصلحة المجتمع. 4- عدم جواز استخدام الاكراه البدني لتحصيل الغرامات وغيرها من العقوبات المالية في حالة الاعسار المادي.. واستبداله بأقساط شهرية تخصم من راتب المتهم او ان يعمل في احد اجهزة الدولة حتى يسدد قيمة ما عليه ولذلك فإننا نطالب بعدم الحكم بحبس المحكوم عليه كما ينص القانون يوم عن كل مائة درهم او اقل. 5- التوسع في الحكم بالتدابير الاحترازية بدلا من العقوبات الاصلية.. كالحكم بالعمل في المصانع والهيئات ذات الانتاجية التابعة للدولة بأجر وذلك كعلاج اصلاحي او الإلزام بأداء الخدمة في المرافق العامة التابعة للدولة ذات الطابع الخدمي كالنظافة والاشراف على الصحة العامة وما الى ذلك او الحكم بالزامه بأداء الخدمة العسكرية الجبرية. 6- الاستنزال ما امكن من العقوبات المقيدة للحرية المحكومة بها بشرط اصلاح المحكوم عليه وتربيته, كخفض مدة العقوبة اذا حفظ القرآن او جزء منه او علم رفاقه في السجن, او ابدع في حرفته التي يعمل بها في المنشآة العقابية. 7- الجلد.. وهي عقوبة شرعية, لها مميزات كثيرة, اذ انها تغني عن العقوبة المقيدة للحرية وتوفر الوقت والجهد والمال ونحن مع التوسع في استخدامها بدلا من العقوبات المقيدة للحرية. ويضيف المستشار حمد يعقوب- رئيس نيابة استئناف الشارقة- قائلا: ان مشرع الامارات, قد اعطى لرجال القضاء, ان يقولوا كلمتهم في اطار العدالة الاجتماعية, والصالح العام الذي يتحقق من خلال اصلاح المحكوم عليهم وتربيتهم وتوظيف طاقاتهم لما فيه منفعتهم ومنفعة المجتمع, وذلك دون اخلال بالامن العام والسعي للقضاء على الجريمة في المجتمع ما امكن, ولهذا يجب على رجال القضاء ان ينظروا بواقعية عند تطبيقهم لهذه العقوبة الخطيرة, وان يجعلوا من اصلاح المحكوم عليه هو الهدف والغاية, لا ان يتخذوها وسيلة للايلام والتعذيب, لانه اذا اضير المحكوم عليهم فإنه وبلا شك سيضار المجتمع ويتأثر الصالح العام, لان المحكوم عليهم فئة من فئات هذا المجتمع يتفاعلون فيه, فيؤثرون ويتأثرون به. وأضاف: بانه لابد من التركيز على كل الوسائل والسبل التي تضمن نجاح تطبيق هذه البدائل على ارض الواقع سواء الادارية منها او المادية او الاجتماعية, فلابد من توافرها مجتمعة قبل العمل بتلك البدائل, ومن هنا فإنني ارى ان البحوث العلمية التي تجرى لبحث آلية التطبيق هي اهم من ايجاد البدائل اذا فلا بد من وجود المتخصصين لبحث ارضية تطبيق البدائل, كما يجب ان نراعي الاعراف والعادات وان نجعل من الاسلام مصدرا تشريعيا لايجاد تلك البدائل, وذلك كله دون الاخلال بالاخذ في الاعتبار الظروف العامة المحيطة بالمحكوم عليه والدوافع والنوازع الاجرامية والمجتمع الذي نشأ به وانهى رئيس نيابة استئناف الشارقة حديثه مؤكدا على ضرورة الاسراع في الاخذ بالبدائل المقررة, بدلا من العقوبات المقيدة للحرية, لان العالم في سباق مع الزمن من اجل تحقيق هذه الغاية خاصة بعد ان ثبت عدم جدوى العقوبات المقيدة للحرية في غالبية الجرائم, وبعد النجاح الذي حققته البدائل الاخرى في كثير من البلدان. حوار ــ عادل عرفة