ما نعيشه الآن وسط هذا العالم قصة معقدة ومتداخلة الى الحد الذي يصعب فيه التفسير والفهم, وأمام ذلك ليس لنا الا ان نبحث في تفاصيل الذاكرة عن مواقع الالفة والحنين, وذلك الزمن المفقود والذي نحتاج الى قرون عديدة لنعيشه من جديد ان لم يكن الامر مستحيلا الى درجة الاعجاز . والسؤال الذي يطرح نفسه كيف لنا ان نعيد صياغة تلك السنوات الحميمة والاليفة, أوكيف لنا ان نعثر وسط متاعبنا ومشاغلنا اليومية والمتكررة عن لحظة فرح عفوي لا افتعال فيها ولا لعب على اوتار الايام المتشابهة الى درجة التناسخ. ولذلك لا يزال علماء الاجتماع يصرون على ان العالم يدخل حاليا في حالة الجمود والموت التدريجي نظرا لغياب التنوع وفقدان الخصوصية داخل المجتمع الواحد, وهذه العلة التي تضاف الى مآزق الكون تهدد القدرة البشرية على الابداع والتجدد وصولا الى مرحلة تتوقف عندها الاستمرارية والارتقاء. وهذه المسألة اشكالية حقيقية تهدد كافة المجتمعات وتنسف ما لديها من ميزات يمكن لها ان تستمر من خلالها, ولذلك تلجأ الكثير من الدول الى احياء تراثها ومرجعياتها الحضارية, فحتى الحركة السياحية لم تعد الا عملية بحث عن التاريخ والابتعاد التام عن كافة افرازات العصر الحديث. وضمن مجموعة الفعاليات والانشطة التي شهدتها دبي مؤخرا على خارطة مفاجآت الصيف ثمة ملامح عديدة على غاية من الخصوصية الممتعة, وبالرغم من ان المشاهد التراثية ليست الا محاولات تنظيمية لبعث وتكريس حضور التراث المحلي بتنوعاته وتفاصيله, تظل الدهشة والفرحة قائمة, الاب المتعب من رحلات الغوص, والنساء القويات حاميات الديار في ازمنة السفر والترحال, الحرفة بما فيها من مهارة وفن, الاولاد الاشقياء الذين لا تحد من حركتهم وطاقاتهم جدران المنازل وتوصيات الاهل والمدرسين. لحظات يمكن للمواطن والمقيم ان يعيش فيها رحلات ومباهج غير محددة, ولعله يلتمس جذوره وماضيه الذي جاء منه, يستقرىء ملامح السنوات التي مرت حاملة معها نكهتها ورونقها ومتاعبها الجميلة, فذاك البحار عائد للتو من غياب طويل تنتظره الاسرة وتفتح له البيت الفقير والصغير موطن الالفة والطمأنينة, وآخر يفترش الارض وفي يديه أدوات بسيطة يصنع منها ما تعجز عنه الآن الآلات الحديثة انه زمن خاص متفرد بكل ما فيه وما عليه. وأمام مثل هذه الاستعدادات ليس لنا الا ان ننحني احتراما لأجيال عبرت بنا الى شواطىء الامان, اجيال يعشعش فيها الصبر والقدرة على التحمل, ليس لنا ان نعيدها لأنها لا تعود ولعلنا نكتفي بالاشارة الى ضرورة نذكرها كلما ضاقت بنا السبل, علنا نجد في اوقاتنا الصعبة اية فسحة للحياة والاستمرار. كتب - حازم سليمان
