عندما تولى صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مقاليد الحكم في امارة أبوظبي كانت البلاد صحراء قاحلة لا بناء وعمران فيها, لا خضرة ولا طرقات ولا مدارس وكان الشيخ زايد يعلم ان هذه الأرض التي سيحكمها تختزن في باطنها ثروة من النفط الخام ستعود عليه بالأموال الطائلة.. لم يفكر في هذا الأمر كثيرا.. فالرجل نشأ على التواضع والبساطة.. فكان يعيش في مدينة العين عيشة مواطن عادي لا يسعى وراء المال ولا يحلم بأن يعيش في القصور عند توليه الحكم كان أول ما شغل باله هو أوضاع الامارات الأخرى المجاورة لامارة أبوظبي.. فكان يعلم ان أبوظبي ستصبح غنية بما تحتويه أرضها من ثروات نفطية وان الامارات المجاورة لها ليست في مستوى ثرائها, بل هي فقيرة لا تملك من الثروات شيئا. أدرك الشيخ زايد بفطرته وعفويته ان أي تطوير وبناء لامارة أبوظبي سيثير حساسيات الامارات المجاورة, والتي يحكمها أساسا شيوخ لهم جذور وعلاقة ووشائج مع آل نهيان.. وكان الشيخ زايد ينظر إلى هؤلاء الحكام نظرة الأخ لأخيه, فأخذ يفكر في اقناعهم بالانضمام إلى امارة أبوظبي بأي شكل من أشكال الوحدة.. بل ولقد وصل به تفكيره هذا حد دعوة قطر والبحرين إلى الانضمام إلى هذا الاتحاد المنشود.. وعندما كانت هذه الفكرة صعبة المنال في حينها, وتحقيقها يستدعي وقتا وجهدا في المشاورات والاقناع.. اعتبر الشيخ زايد ان هذا الوقت والجهد ان لم يصرف على هذا الأمل الكبير فلا معنى لأي وقت أو جهد يبذل فيما بعد. وميزة الشيخ زايد بن سلطان انه يتمتع, منذ شبابه بالهدوء والاتزان.. وكان على غير عادة الشباب الآخرين.. لا يلتفت إلى لهو الحياة ولا إلى حب الذات.. بل كان كريما محبا للخير ومجلسه في العين كان يكتظ بالكثيرين من الناس الذين يشعرون معه بالراحة والانسجام.. بالرغم من انه لم يكن في ذلك الوقت غنيا ولا يملك من المال شيئا.. حتى قيل بأنه كان يغسل ملابسه عند شاطئ البحر بنفسه ودون أن يستعين بأحد من شدة تواضعه. أخذت الهواجس تسيطر على الشيخ زايد.. ورأى ان امارة أبوظبي لا يمكن لها أن تتطور وتقفز قفزتها الحضارية الا اذا اجتمع الشمل, والتقى حكام الامارات تحت سقف واحد ويد واحدة.. وشغل الشيخ زايد وقته في اقناع اخوانه في بقية الامارات بضرورة الاتحاد دون أن يسلبهم سلطاتهم أو يملي عليهم شروطه.. أقنعهم ان الوحدة هي القوة في بناء المستقبل وخصوصا ان جميع الامارات متداخلة ومتقاربة جغرافيا وان أهلها هم من شجرة واحدة في اللغة واللهجة والعادات والتقاليد. استمر وقتا طويلا والشيخ زايد لا يفكر بالثروة المدفونة في بطن امارة أبوظبي قدر تفكيره بلمّ الشمل من الأهل والاخوان في بقية الامارات بهذه الوحدة كان يدرك بأن وضع أي خطة لبناء امارة أبوظبي في معزل عن بقية الامارات سيسبب له الكثير من المشاكل هو في غنى عنها.. واستطاع الشيخ زايد أن يقنع الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم حاكم دبي الذي رحب بفكرة الاتحاد وتلاه بعد ذلك بقية حكام الامارات الذين رحبوا بقيادة الشيخ زايد كصمام أمان لهم ولمستقبلهم فوثقوا فيه كثيرا إلى درجة انهم طالبوه ان يبقى حاكما لدولة الامارات وبايعوه على أن يكون هو الحاكم والوالد.. بعد قيام اتحاد الامارات.. استطاع الشيخ زايد أن يعمل في مناخ صحي وهادئ فاطمأن إلى ان اخوانه شيوخ الامارات سيكونون له عونا.. ولكون الرجل رجل فطرة وحياة ونظر ثاقب فقد بدأ يعمل.. وكان أول ما فكر به هو تحويل هذه البقعة من الصحراء إلى روضة غناء وإلى واحة خضراء تضفي جوا جماليا على المدينة.. وعندما أمر بذلك اجتمع الخبراء في مجالات الزراعة والبيئة.. وخلصوا إلى نتيجة واضحة وقاطعة مفادها ان أرض امارة أبوظبي لا تصلح للزراعة.. فالرطوبة التي ترتفع درجاتها في فصل الصيف ستحرق وتقتل أي شجرة تنبت.. وقدموا له الدراسة بالأدلة والقرائن.. ولكن الشيخ زايد لم يقرأ تلك الدراسة بل لم يلتفت لقراءة الصفحة الأولى منها.. وقال لمن حوله إذا كانت هذه دراستهم وهذه قرائنهم فعليهم ان يرحلوا ولست في حاجة إلى استشارة أحد في هذا الأمر.. وكان الشيخ زايد قبل أن يتولى حكم امارة أبوظبي يعيش في مدينة العين التي تكثر فيها الخضرة وتكسوها أشجار النخيل والأشجار المثمرة وكان يرى انه سيختنق لو عاش في امارة أبوظبي وهي خالية من المزروعات, ومكتسية بالخضرة.. ولانه كان يملك ارادة قوية وعزما شديدا وايمانا قويا بالله قرر أن يثبت لهؤلاء الخبراء الزراعيين انه قادر على أن يقيم زراعة في كل أرض الامارة.. ويؤكد لمن حوله ان الإرادة والعزم والتصميم أهم من كل النظريات والدراسات.. وكان يردد ان الإنسان إذا أراد أن يعمل شيئا عليه أن يتقنه.. ففي هذه الحالة فإن الأمور لن تذهب هباء.. وضرب الشيخ زايد بالدراسة التي وضعها الخبراء الزراعيون عرض الحائط.. وأخذ الأمر على مسؤوليته فخرج إلى قلب الصحراء لا يحمل بيديه غير (خيزرانة) يشير من خلالها إلى المواقع التي اختارها لكي تروى وتزرع وتتحول إلى جنة خضراء.. وكان يعلم ان هذا الأمر يحتاج إلى المتابعة والملاحقة قبل المال.. فالمال متوفر, ويمكن أن يروي ظمأ الصحراء بأي تكلفة مطلوبة لذلك وما هي إلا أشهر قليلة حتى تحولت امارة أبوظبي تلك الجزيرة الصغيرة والتي تحيط بها رمال الصحراء إلى مدينة خضراء أدهشت خبراء الزراعة والبيئة قبل أن تدهش العالم. ولم يكتف الشيخ زايد بزراعة الأشجار بل حوّل مدينة العين إلى مصدر ثروة غذائي.. عندما أمر بزراعة جميع أنواع الخضار فيها من طماطم وخيار وخس وفواكه بجميع أنواعها بما فيها فاكهة المانجو اللذيذة. وكان بعض الحاقدين يرددون ان تحويل صحراء أبوظبي إلى روضة خضراء جميلة تم بسبب المال الذي يملكه زايد.. وكان يأتي الرد على هؤلاء بأن جميع دول المنطقة تملك المال.. بل واكتشف البترول فيها قبل أبوظبي.. والمسألة تكمن في التصميم والإرادة.. والمتابعة لا في المال.. فلقد كان زايد يخرج في وضح النهار حاملا (خيزرانته) وينتقل من مكان إلى آخر في حالة متابعة وهو يشاهد العمال يحرثون ويغرسون الأشجار في كل مكان. بعد مرور فترة.. على قيام الاتحاد.. تعرفت على صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان.. ولا أبالغ إذا قلت اني أكاد أكون الصحفي الوحيد الذي أجرى معه لقاءات عدة زادت عن العشرة في خلال فترة وجيزة.. وأذكر انني عندما التقيته بعد قيام دولة الاتحاد وأجريت معه لقاء مطولا عن هذه التجربة العظيمة طلب مني الأستاذ أحمد خليفة السويدي وكان وزيرا للخارجية وأحد المقربين من الشيخ زايد وأحد أبرز الذين ساهموا في قيام الاتحاد.. طلب مني قبل أن أنشر حديث الشيخ زايد أن أقوم بجولة في كافة الامارات لألتقي بحكامها وشيوخها.. وبالفعل رتب لي برنامجا حافلا ومشحونا.. فذهبت أولا إلى دبي والتقيت بالشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم حاكم دبي رحمه الله, وأتذكر انه سألني قبل أن أسأله: بلغني انك التقيت بالشيخ زايد في أبوظبي وأجريت معه لقاء قلت له: نعم.. فقال: وماذا تريد مني الآن؟ قلت: أريدك أن تحدثني عن هذا الاتحاد الذي لفت أنظار العالم.. فقال: وهي تعتقد انني سأضيف شيئا على كلام الشيخ زايد ثم قال: نحن سعداء بهذا العمل الكبير وأنا ليس لدي ما أقوله, يكفي أن نسمع من الشيخ زايد فهو صوتنا ويمثلنا ونستفيد من آرائه وأفكاره. وانتقلت بعد ذلك إلى الشارقة لمقابلة الشيخ سلطان القاسمي.. ولا أدري لماذا حظي مع هذا الرجل سيء للغاية. فبعد أن أجريت اللقاء معه.. وعدت إلى أبوظبي اكتشفت ان آلة التسجيل لم تكن تعمل.. فاضطررت أن أكتب اللقاء من الذاكرة في شكل مقالات.. الأمر الذي أغضب الشيخ سلطان القاسمي الذي أكن له معزة خاصة في نفسي.. وانتقلت بعد ذلك إلى عجمان ورأس الخيمة وانتهيت إلى الفجيرة حيث استضافني الشيخ محمد الشرقي وطلب مني أن أبات ليلتها في امارته.. ولا فخر.. لقد كانت تلك اللقاءات التي أجريتها مع حكام الامارات في السنوات الأولى والتي نشرت في (السياسة) هي من أهم اللقاءات التي تعرف القراء من خلالها في المنطقة على تفكير وتصور ورأي حكام الامارات. تكررت زياراتي لامارة أبوظبي.. وأكسبتني هذه الزيارة معلومات وخبرة أفادتني عند كتابتي عن دولة الامارات العربية المتحدة. تعرفت على الشيخ زايد عن قرب... وجدت فيه إنسانا عفويا... إذا تحدث فهو يتحدث بلغة مبسطة لا يستخدم فيها تلك العبارات المقعرة التي يستخدمها بعض زعمائنا العرب.. فهو عندما يتحدث يفهمه الجميع... ولا يقول شيئا إلا يعنيه ويتحمل مسؤوليته فهو ليس متحدثا بتلك العبارات الطنانة ولكنه بليغ الوجدان... وأتذكر ان أول لقاء أجريته معه.. ذهبت إلى غرفتي في الفندق وأخذت أفرغ شريط التسجيل.. ولجهلي بالأمر بدّلت بعض عباراته المشهورة إلى عبارات بلغة عربية فصيحة.. وعندما عرضت الموضوع على اخواني علي الشرفا وعبدالله النويس فزعوا وقالوا لي: إذا قرأ الشيخ زايد ما كتبته سيقول هذا ليس كلامي.. وأخذ عبدالله النويس يعيد ترتيب عبارات الشيخ زايد وجملته المعروفة التي يستخدمها. واستفدت من هذا الدرس وكنت عندما أجري لقاء مع الشيخ زايد أحرص على أن أبقي عباراته وجمله كما هي. وهناك قصة أخرى أتذكرها.. وهي ان الشيخ زايد في مجلسه.. يحرص على أن يكون أولاده الصغار في ذلك الوقت مثل محمد وحمدان وهزاع وغيرهم.. يحرص على أن يكونوا متواجدين بجانبه وعندما يأتي زائر مسؤول من دولة أخرى يحمل رسائل خطية أو شفهية من اخوانه الحكام العرب.. يصر الشيخ زايد على أن يبقى أولاده في مجلسه دون أن يذهب إلى المختصر المجاور.. ويتحاور في شتى المواضيع مع المسؤولين العرب والأجانب بوجود جميع أولاده.. وأتذكر ان مسؤولا خليجيا كبيرا لفت نظري إلى هذه الملاحظة وقال بما معناه.. لماذا يصر الشيخ زايد على أن يتواجد أولاده في مجلسه رغم اننا نحمل رسائل من حكامنا إلى سموه؟! وبعد ذلك عرفت من الشيخ زايد انه يفعل ذلك باهتمام شديد حتى يضع أولاده في الصورة وحتى يتعلموا عندما يكبرون كيف تدار الأحاديث السياسية مع المسؤولين.. يريد الشيخ زايد أن يعلم أولاده منذ الصغر كيفية التعامل مع مجريات الأمور.. وكيف يتم الحديث مع المسؤولين.. أراد بذلك أن يغرس في عقولهم مفاهيم السياسة لانهم في يوم من الأيام سيصبحون مسؤولين في مختلف الأجهزة والدوائر.. وهذا ما حدث بالفعل فلقد تولى معظم أولاد الشيخ زايد مسؤوليات كبيرة نتيجة لتلك الخبرة التي غرسها فيهم زايد.. فكان يحب أن يرى الذين من حوله أمناء ومخلصين وصادقين فالشيخ زايد يكره الكاذب والمنافق ويبعده عن مجلسه.. ومن هنا نكتشف انه يكاد يكون واحدا من زعماء العالم الذين لا تحيط بهم بطانة سيئة.. انه يتمتع بفطرة عجيبة وقدرة على اكتشاف الإنسان السيء من الطيب.. والتمييز بينهما. الشيخ زايد بهذه الطبيعة الصافية ليس باني نهضة, ومعلما لشعبه فحسب.. بل هو معلم لي شخصيا, عرفت منه الكثير من أمور الحياة وأسرارها, وأول هذا الكثير كيف يحل الزعيم في قلبك فلا تجد أمامك إلا ان تعطيه كل ما لديك من ولاء وحب لا يتغيران على مدى الأيام..