كلمة العمل كثيراً ما تتردد على لسان صاحب السمو الشيخ زايد, وهي عنده ليست بكلمة فحسب إنما هي فعل بالدرجة الأولى،إن الراصد لما كانت عليه الإمارات العربية المتحدة قبل ثلث قرن من ضعف في البنية الاساسية.. يشهد لسمو الشيخ زايد تمرده على التخلف والسكوت على التفرق والضعف وقد مكنه ذلك من الوصول بامارات الخليج العربي السبع إلى بر الاتحاد.. وما ذلك الا لأنه كان مهيئاً وعياً وادراكاً منذ يفاعته وشبابه للقيام بهذا الدور العظيم.. فكان أن وجد في اخوانه أصحاب السمو حكام الامارات آنذاك عوناً وستراً في إقامة دولة عربية جديدة, أصبحت منذ 18 يوليو 1971 جوهرة في سلك عقد الدول العربية, في وقت تعددت فيه الأراضي العربية السلبية كالأحواز, والإسكندرونة, وزنجبار, وغالب الأرض الفلسطينية, وحين نقول يتمتع سمو الشيخ زايد بذانيك الإدراك والوعي المبكرين نكتشف بأنه كان قد حصل على مقوماتهما مما تلقاه بالممارسة والتعلم من أساسيات التعليم الاسلامي, ومما استوعبه من آداب وتعاليم وتقاليد حسنة واباء صدقه. حيث أصبحت عنده من قواعد السلوك العظيمة.. التي نشهدها اليوم في شخصه الكريم... وفي كونه رئيس دولة اتحادية ليس كمثلها دولة بلورت اتحادها الى عمل حضاري مثمر. فحين نرجع الى أواخر عشرينات القرن العشرين نجد وبالتحديد عام 1928 ــ أن اسم سمو الشيخ زايد يتردد كيافع متأدب في حديث شاهد عصر خليجي هو الدكتور الراحل محمد محمود بهزاد حين التقاه هو وأخوته ــ الشباب آنذاك ــ وهم شخبوط وهزاع وخالد, في مجلس حاكم أبوظبي الشيخ خليفة بن زايد.. وهنا نترك للدكتور بهزاد يحدثنا عن ذلك اللقاء وما جرى فيه وما ترتب عليه بعد ذلك قال في سياق ما سجله من أحداث خلال تردده إلى أبوظبي بين عامي 1926 و 1928 وذكرها في ديوانه اصدار مطبعة نهضة مصر. .. وبعده الشيخ خليفة بن زايد الحاكم بعدهم وله ابن محمد وأرسل عليهم.. على شخبوط وهزاع وخالد وزايد أبناء أخيه سلطان.. وقال لهم تعالوا للأوامر محل أبوكم, وأنا يا خليفة لا أبغي الحكم.. هو لكم.. ويعلق الدكتور على ذلك فيقول: وهم من ذاك الوقت وهم شيوخ من سنة 1346 لأبوظبي وتوابعها الى هذا الوقت.. عسى الله أن يديمهم ويبقيهم لبلادهم.. كما سجله شاهد عيان هذا بعض ما كان عام 1928 أما حين تولى سمو الشيخ زايد مقاليد الأمر بمنطقة العين فقد بدأ حالاً يبلور ما أختمر في ذهنه من تطلعات حضارية حسب إمكانياته المحدودة آنذاك خلال الفترة 1946ــ 1966 التي تقع ما بين توليه ادارة العين , وحكم أبوظبي كلها. لقد كانت تلك الفترة إختباراً وتجربة صقلته على مستوى الإمارة والإدارة.. حيث أستفاد سموه من مجريات الأحداث السياسية والاقتصادية بامارات ساحل الخليج العربي منذ ثلاثينات القرن العشرين حتى نشأة اتحاد الامارات كدولة وتولي سموه رئاستها عام 1971. غير أن مما يلفت نظر الباحث في حياة وحركة سموه منذ أواخر عشرينات هذا القرن وحتى توليه حكم امارة أبوظبي عام 1966 قلة البحوث عن حياته وحركته في تلك الفترة التي واكبت بدايات النشاطات السياسية المرتبطة بالنشاطات الاقتصادية الأولى في الامارات. حيث تمحورت تلك النشاطات من خلال محاولات بريطانيا الحصول على مواقع مطارات في إمارات الساحل اذ تمكنت عام 1932 من افتتاح مطار الشارقة من أجل تسهيل المواصلات الجوية البريطانية في الخليج العربي. ثم ما أعقب ذلك من حمى الحصول على امتيازات التنقيب عن النفط واستخراجه حتى تصدير أول شحنة منه عام 1962.. لقد عاش سمو الشيخ زايد حركته ذلك النشاط الاقتصادي وخبره.. ولا بد أنه شارك في إعطاء رأيه في قضية المشاركة بالتساوي في أرباح البترول... وفيما أعلنه أخيه الشيخ شخبوط بن سلطان عام 1948من حقوق إمارة أبوظبي في جرفها القاري وما نتج عن ذلك من خلاف بينها وبين شركة تطوير بترول الساحل المتصالح.. وما كان من رفع ذلك الخلاف الى تحكيم دولي قضى باعتماد وجهة نظر ابوظبي في حقوقها بجرفها القاري لننظر ما كان يعطيه سمو الشيخ زايد من آراء في القضايا البترولية.. وما كان يتنبأ به سموه من تطور في هذا الشأن قال في حواره مع وجيه أبو ذكرى (العالم كله كان يجهل البترول, وتلك الكنوز الموجودة في باطن الأرض, والتي يمكن للإنسان أن يستخرجها ويستفيد منها, وفي مجتمعنا كان الوضع هكذا مثل ما كان في مصر قبل 50 سنة.. وما كان أحد يحلم بذلك. ولم أعرف عن البترول حتى رأيت الشركات التي تطالب بامتيازات البحث والتنقيب عن البترول وعرفت أن البترول موجود قبل أن اكون في العين ومن خلال معرفتي بوجود البترول حاولت ومعي بعض اخواني أن نقترض من هذه الشركات صاحبة الامتيازات للبدء في مشروعات البحث والتنقيب عن البترول في بلادنا. ويمكن أن نقترض الأموال ما دام البترول أصبح موجوداً ولكن بعض الأخوة الاشقاء ــ رحمهم الله ــ عارضوا ذلك وقالوا لا نريد أن تتراكم علينا القروض والديون من البداية, واذا أصبح لدينا البترول, والعائد منه يمكن أن ننفقه على المشروعات, في حين كنت وبعض إخواني نلح على أن نقترض لنبدأ في تنفيذ المشروعات قبل أن نحصل من البترول على أي عائد.. فالبترول قد بدأ تصديره بعد.. بل حتى قبل هذا اليوم كنت أخطط لإنشاء طرق لدرجة أن بعض الناس كانوا يضحكون لذلك ومعهم سعيد بن شخبوط رحمه الله. هذا هو سمو الشيخ زايد زعيم عمل استشراقي للمستقبل ذي تخطيط استراتيجي متقدم.. أراد البدء بتطوير أبوظبي ونشر المد الحضاري الحديث فيها منذ تأكد في ثلاثينات هذا القرن من وجود النفط بها.. ذلك الذي سيعينه بمردوده على البدء في وضع البنية الاساسية الحضارية في بلاده قيد التفعيل.. بمعنى أن امارة أبوظبي كانت ستختصر ثلث قرن في مسيرتها الحضارية الحديثة.. التي كان من الممكن أن تبدأ أواخر ثلاثينات هذا القرن لو وضعت آراء سمو الشيخ زايد التقدمية موضع التنفيذ آنذاك. الأمر الذي لا بد وأن يكون من مردوداته ما سيعود على باقي امارات الساحل المتصالح بالخير العميم. كذلك فقد شهد سموه وعاش مناخ المد القومي العربي في الخليج العربي منذ مفتتح خمسينات هذا القرن, ورأى ذلك الاضطراب الحدودي بين أبوظبي والمملكة العربية السعودية حول قرية حماسا قرب البريمي, وقد أعطى رأيه فيه من منظور كونه أميراً لمنطقة العين.. كان سموه في قلب الأحداث آنذاك يعايشها حيث استخلص منها بعض نتائج تجربته بين 1946ــ1966 حاكماً لمنطقة العين, ثم حاكماً لإمارة أبوظبي.. لقد خير سموه كل ذلك عملاً ومعانات.. كان في تلك الفترة يدرج لأن يصبح ذلك الزعيم التاريخي الذي كانت تنتظره منطقة الخليج العربي مجمعاً وموحداً, فقد بدأت تباشير ذلك منذ توليه حكم امارة أبوظبي حيث وضع نظرته الاستشراقية المستقبلية موضع التنفيذ.. وذلك بتركيزه على نشر التعليم وتطويره حيث تكلل ذلك بانشاء أول جامعة في الامارات.. لذلك نراه يقول: (إن العلم والثقافة أساس تقدم الأمة وأساس الحضارة, وحجر الأساس في بناء الأمم. أنه لولا التقدم العلمي لما كانت هناك حضارات ولا صناعة متقدمة أو زراعة تفي بحاجة المواطنين. إنه بالتعلم الممتاز نستطيع أن نوفر جيلاً من المواطنين يشرف على بناء المصانع ويدير المشروعات التي بدأت تقام في مختلف انحاء الدولة, اذ لا يمكن أن تقوم صناعة وطنية دائمة وقوية الا على أكتاف أبناء البلد وواجبنا لتحقيق هذا الهدف أن نتيح سبل التعلم والثقافة لكل فرد من أبناء هذا البلد) . وحين نلتمس الدفق الاسلامي والروحي عند سمو الرئيس الشيخ زايد بخبرة متبلورة في كل أنشطته لخدمة الامارات العربية المتحدة والأمة العربية والإسلامية وفي توجهاته الإنسانية العالمية جمعاء يقول في ذلك: (الإسلام هو الأساس لكل ما نؤمن به أو نفعله أو نقوله..) ويقول: (من واجب المسلم أن يري العباد ما لديه من دين وخلق, والإسلام ليس دين عنف وقسر, ولكنه دين العقل والمنطق, وخلق الناس أحراراً بالفعل..) ويقول: (إنني أتساءل هل الإسلام ضد العمران والتقدم العلمي؟ وهل هو ضد الازدهار والرفاهية ورفع مستوى معيشة المجتمع؟ بالطبع لا.. بل على العكس من ذلك تماماً. إن المبادئ الاسلامية هي التي تطالب بكل هذا وتحث على تحقيقه. ونحن في دولتنا ملتزمون بمبادئ ديننا الاسلامي الحنيف, لا نحيد عنها قيد أنمله ولا نتخلى عن تراثنا وعاداتنا وتقاليدنا. وهكذا فنحن نأخذ من الحضارة الغربية ما هو خير لأمتنا... وننبذ ما هو شر لها..) ويقول سموه في حديث لمجلة (بتروليم انتلجنس) نحن بشر ونواجه في الحياة الشر والخير.. ولكن إيماننا بكتاب الله هو أكبر عاصم من الخطيئة, واذا رجعنا الى كتاب الله نجده قد احتوى على كل ما ينفع الناس وينظم العلاقة بين العبد وربه.. والعلاقة بين الانسان وأهله وجيرانه واصدقائه.. ويقول سموه: (ولدينا وعد من الله سبحانه وتعالى بالنصر.. (إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم) . ولقد أفصح سموه عن هاجسه هذا بالنصر على إعداد الأمة العربية والاسلامية.. وكذلك على التخلف الحضاري في قوله في العيد الوطني السادس عشر لدولة الامارات العربية المتحدة: ومثلما يولد الفجر في الظلمة يولد النصر.. ستة عشر عاماً من العمل الدؤوب المتواصل لم يحجب الظلام عنا رؤية الحقيقة. تلك كانت بعض أقوال سموه المفصحة عن تأثير المد الروحي والإنساني لديه.. ولا أظن أحداً في مثل موقعه نافسه في كثرة الفعل التنموي.. لا في كثرة القول. فالفعل عنده هو من أهم تطرقات العمل.. عشرات من أعداد كلمة (العمل) ترد على لسان سموه في احاديثه وحواراته.. وأي عمل.. أنه العمل التنموي أيضاً. قال في مؤتمره الصحفي في مقديشو بالصومال بتاريخ 1976/8/7: (لقد انتهت المدة التي توليت فيها رئاسة الدولة وهي خمس سنوات, والتي أخذت على عاتقي خلالها أن أعمل كل ما يمكنني من أجل الأبناء والإخوان.. ولا يجوز أن آخذ أكثر مما قطعته على نفسي وتحملته أمام وطني وأمتي. والشيء الثاني أني قبلت القيادة وتحملت أعباء الرئاسة في الوقت الذي كانت فيه الامارات مبعثرة وكانت تعاني من تخلف شديد. في هذا الوقت بدأت مسؤولياتي وبدأت العمل في الداخل والخارج. وبكل ما أملك من وقت وقوة وطاقة) . وقال سموه في إحدى كلماته الى مجلس الوزراء (إنني اطالبكم بأن تعملوا متعاونين وتتبادلوا الرأي, والمشورة قبل التنفيذ.. وتعملوا سوياً لمجموعة واحدة) وأجاب سموه حين سأله (جون تقن) االمخرج التلفزيوني الامريكي سي.بي.إس, عن معنى كلمة (الوثبة) : ان الوثبة سمة العمل الكبير الذي يتم في هذه الدولة.. أجل أنه عمل كبير ومتميز.. وتميز بكونه مازال مستمراً وبعنفوان عاقل.. وليس باستطاعتنا هنا في هذا البحث الموجز عن مفهوم العمل لدى سمو الشيخ زايد ــ أن نحاول حصر ما عبر به سموه عن مضامين العمل منذ توليه رئاسة دولة الامارات العربية المتحدة عام 1971 ولو تم لنا ذلك لوجدناه على تعدده مجمل اشارات عن حركة العمل المستمر المتكامل في جميع مجالات التنمية في الدولة.. فذلك العمل كبير.. وما يشير اليه سموه عنه في معرض أحاديثه إن هو الا إبانات نموذجية.. في ضوء صورة بلاغية حقيقية ودقيقة عن ملحمة ذلك العمل. فلتستمع البه يخاطب رجال الاعلام والصحافة العربية والاجنبية في 1973/4/17 عن حاضر ومستقبل الخليج العربي.. قال: إننا يجب أن نعيد النظر في إمكانياتنا وقدراتنا ونعمل من أجل مستوى قومنا ووطننا, فليس هناك أثمن من العمل المخلص.. فالإنسان لا يعرف ما يواجهه بعد ساعة أو ربما غداً. لهذا يجب أن يعمل كل مواطن لنفسه ولأهله وقومه وأمته. وكل صاحب طاقة عليه أن يعمل بقدر طاقته التي وهبها الله له. وبقدر ما يملك من خبرات وامكانيات. ويقول سموه في هذا السياق لصحيفة لوموند الفرنسية بتاريخ 1977/4/22 : (.. والمهم .. المهم هو أن يعمل الإنسان من أجل بلده فالذين يعملون من أجل بلادهم لا يخافون .. ولا يقلقون..) . هذه عجالة بحثية متواضعة حول مفهوم العمل عند صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الامارات العربية المتحدة أحاول أن أسهم بها مشاركة في مناسبة عزيزة جليلة تمر علينا بحلول ثلث قرن على تولي حضرة صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مقاليد حكم إمارة أبوظبي... إن هذه العجاله البحثية يمكن أن تكون مفتاحاً لعمل بحثي موسع مما يتعلق بالرواية الأهلية المحلية في الخليج العربي لما مر بساحة اماراته من أحداث محلية وخارجية... وربما آنثرلو بوجيه وديمغرافيه مثلما كنت قد اسهمت بالكتابة عنه منذ سبعينات هذا القرن حتى الآن. والله من وراء القصد. أهم مصادر بحث/ حول مفهوم العمل لدى صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان: 1ــ زايد فكر وعمل/ وزارة الاعلام والثقافة/ مركز التوثيق الاعلامي/ دولة الامارات العربية المتحدة. 2ــ د/ محمد مرسي عبدالله/ دولة الامارات العربية المتحدة وجيرانها/ ط أ/ دار القلم/ الكويت/ 1981. 3ــ مجموعة خطب سمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان/ وزارة الاعلام والثقافة/ مركز التوثيق الاعلامي. 4ــ د/ محمد محمود بهزاد/ الوجهة الذهبية/ مطبعة نهضة مصر/ القاهرة. 5ــ د/ نبيل راغب/ أصول الريادة الحضارية/ دراسة في فكر الشيخ زايد/ منشورات المجمع الثقافي/ الطبعة الأولى 1995. 6ــ الشيخ محمد بن أحمد بن حسن/ العادات والتقاليد/ في دولة الامارات العربية المتحدة/ المطبعة العصرية/ أبوظبي. ــ المؤلف: مبارك راشد الخاطر. ــ حاصل على: ــ جائزة الدولة التقديرية في الأدب والانتاج الفكري. ــ جائزة الدولة للعمل الوطني 1992. ــ وسام المؤرخ العربي من اتحاد المؤرخين العرب ــ 1989. ــ عضو اتحاد المؤرخين العرب. ــ عضو جمعية تاريخ وآثار البحرين. ــ شهادة تميز وتقدير في العمل التطوعي. ــ شهادة رواد الثقافة لمدينة المحرق. ــ له حتى الآن 15 مؤلفاً في تاريخ الثقافة والأدب والفكر موزعة بين سلسلتين: الأولى تحمل عنوان دراسات خليجية, والثانية عن إعلام الخليج العربي وللمؤلف بحوث أخرى.. تفاصيلها بنهاية الكتاب.