الامارات العربية المتحدة محط انظار المجتمعات الغربية, ليس فقط لما لها من مكانة اقتصادية او اهمية في مجال البترول, ولكن لما في هذه الدولة المتحدة من نموذج فريد للوحدة والتكامل الذي تسعى اليه بلدان كثيرة سواء غربية او عربية وكنا نظن ان المراقبين السياسيين والاقتصاديين لايغوصون في اعماق الواقع الاماراتي وهم يرصدون تلك التجربة الرائدة التي يقودها صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة, الا اننا اكتشفنا في الحوار مع (مارسيل كوربير سهوك) مدير ادارة شمال افريقيا والشرق الاوسط بوزارة الخارجية الهولندية ان الامارات العربية المتحدة تعني الكثير والكثير, فيقول مارسيل كوربيرسهوك: الشيخ زايد رجل دولة من الطراز الاول استطاع جمع الامارات السبع على اهداف وطنية لا تثير الخلاف,ربما تختلف في الرأي لكنها تتحد على الخط الذي رسمه رئىس الدولة, وتتشابه الامارات العربية المتحدة مع هولندا من حيث الجذور التاريخية القديمة, فقد بدأ (فيلم فان اورانيا) بتوحيد سبعة اقاليم هولندية كانت هي العناصر الاساسية لتأسيس الدولة في القرن السادس عشر واهم ما يتميز به الشيخ زايد انه يسخر العمل السياسي والعلاقات الدبلوماسية لخدمة وطنه والمواطن, فالرجل منذ ربع قرن اتضح انه لايعمل من اجل الطموح الشخصي, ولايوجد للفردية مجال في اعماله التي تجسد فكره. انه بما تحمله الكلمة العربية من معنى كبير اب فعلي للوطن يتميز بحكمة واعتدال الرأي, وليس ذلك فقط على المستوى الاقليمي للامارات العربية المتحدة, لكن في اطار مجلس التعاون الخليجي وعلى مستوى المنطقة العربية كاملة, وهو ينطلق من مبادراته من الفكرة التوفيقية والاعتدال القائم على الحقوق الدولية, ويعتبر الشيخ زايد واحدا من القلائل من قادة العالم الذي لم يدعو مرة واحدة في خطابه السياسي الى العنف او الانتقام, وسيسجل له التاريخ مبادراته العربية للمصالحة وحسه الوطني وحكمة عقله, كما ان حكمته تميزت دائما بدعوته للسلم دون التنازل عن الحقوق الشرعية لاية جهة او دولة او شعب, اضافة الى انه يتمتع برصيد قلما ان يحظى به قائد سياسي في العالم وهو لايوجد خلاف عليه سواء على المستوى الاقليمي او العربي أو الدولي, فنحن نعرف كغربيين ان مؤسس السعودية الملك عبد العزيز آل سعود, ونحن في هولندا صنع تاريخنا فيلم فان اورانيا, والامارات العربية يأتي على رأسها الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان فهو الذي اسسها, ولقد اثبت التاريخ السياسي لمعظم دول العالم ان اي بلد يبدأ تأسيسه بصورة خاطئة, يكون من الصعب ان يستمر بنيانها بصورة قوية وسلمية ويكون من الصعب ايضا تصحيح الاخطاء, وتعود اهم الاسباب التي ادت الي انسيابية المسارين الاقتصادي والسياسي للامارات العربية المتحدة ان الدولة كانت بدايتها من ارضية صحيحة وعلى اساس سليم مما دعم رواسيها وقوم بنيانها, ومنحها القوة والصلابة. لذلك من خلال متابعتنا كأوروبيين للامارات العربية المتحدة وجدنا ان كل امارة تعمل مع الاخرى تطوعا عن ايمان وليس اجبارا عن طريق فرض الضغوط او السياسات الفوقية, وهذا واحد من اهم اسرار نجاح الامارات العربية المتحدة التي تعتبر جغرافيا منطقة صغيرة بالمقارنة بجيرانها من الدول المحيطة العراق, ايران, السعودية, ونحن في هولندا قد نكون خير من يفهم سر هذا النجاح لوجه الشبه الجغرافي حيث ان هولندا تحيطها دول اوروبية كبرى, على الرغم من ذلك استطاعت الحفاظ على استقلالها وكيانها بين هذه الدول, فنجد ان الامارات تحظى باستقرار وكيان دولة تتمتع بعناصر متكاملة, فمثلا نجد ان دبي تحتل موقعا تجاريا هاما وتسعى دائما ان تكون لها خطوة تسبق غيرها في مجال التجارة واسواق الذهب, حتي يطلق على دبي لقب (مدينة الذهب) وهذه المدينة قد نجحت في ان تصل الى خريطة الذهب العالمية, وهي تسعى لتحقيق الرواج التجاري في المجالات الاخرى اسوة بما حققته في مجال الذهب, وابوظبي تنشط في المجال المالي والاستثماري, وهي مركز صندوق ابوظبي للانماء العربي, وهكذا تسير الامثلة, فنجد كل امارة تكمل الاخرى ولا تنافسها, ففي التكامل قوة, وفي التنافس السلبي ضعف وتفكك. وللامارات العربية دور مهم في حفظ التوازن بين الدول الكبرى التي تحيطها, ومن المثير للاعجاب ان الامارات السبعة تتعامل مع بعضها باسلوب ديمقراطي حضاري يدفعنا لاحترام النظام في هذه المنطقة الذي يسخر كل ادارته لخدمة المواطن, وسواء كانت الخلفية هي نظام الشورى او تبادل وجهات النظر او حرية الرأي في المجالس المتخصصة, الا اننا نرصد في الامارات المنظومة السياسية التي تعمل في خدمة الشعب هناك باسلوب ديمقراطي قائم على التفاهم والعمل الموحد لمصلحة الشعب ورقيه والنمو المستمر للامارات, ولولا شخصية الشيخ زايد التي تتمتع بالقوة والرصانة والاتزان في آن واحد, ولولا قدرته على ارساء قواعد الامان في ارجاء الامارات وفي نفوس كل معاونيه بداية بولي عهده, مرورا بادارات الدولة والشرطي في الشارع, لما عم الاستقرار او الامان الامارات, ولما نجحت في تحقيق الرخاء والتقدم الاقتصادي الملموس للمواطن الاماراتي والذي يتميز بارتفاع في مستوى المعيشة بالمقارنة بدول اخرى قد يكون لها ذات الخصوصية الاقتصادية او الثروات الطبيعية. ولعلنا في هذه المناسبة نسأل انفسنا عن واحد من اهم الاسباب التي اثقلت وغرزت جذور الحكمة في جوارح الشيخ زايد, فنجد ان علاقته بقسوة الصحراء وبدايته باعمال الصيد في سن الصبا والفتوة وحسه المرهف المتميز في كتابة الشعر, وارتباطه بأرضه الى حد العشق, كل هذا صنع توليفة لها مزيج خاص كانت هي الارضية الصلبة لصناعة رجل دولة ورجل مواقف, نجح في خلق جيل تتلمذ على يده, لذلك حينما نتحدث عن الشيخ زايد نستشرف ايضا المستقبل الذي يبشر بالاستقرار, ومعرفة هولندا كواحدة من دول الاتحاد الاوروبي بنقاء النسيج الفكري لرجل الدولة وايمانه بقوله وعمله يجعل الابواب في هولندا دائما مفتوحة على مصراعيها للعلاقات مع الامارات العربية المتحدة وتدعيم اواصر تلك العلاقة, فحينما يأتي وفد ومن الامارات لزيارة هولندا وننظم له جولة للقاء الغرف التجارية ورجال الاعمال, نستشعر انفسنا نحن اهل السياسة مدى الترحاب والاستقبال الرائع من اهل هولندا لأعمال هذا الوفد الاماراتي, وهو استقبال متميز قد لا يتشابه كثيرا مع مثيله من التعامل او الاستقبال الهولندي لوفود اخرى, كما تؤكد التقارير الهولندية مدى مرونة وتحضر الانسان الاماراتي في التعامل مع الهولندي, فمثلا لدينا الان عدد من الطلبة الاماراتيين البحريين بالاكاديمية البحرية للدراسة, ونلاحظ تميزهم وتفوقهم في دراستهم ورغبتهم المؤكدة في الاستيعاب والتفوق على اقرانهم, فهم مؤمنون من منطلق التربية التي ارساها والدهم الاكبر الشيخ زايد ان نجاحهم نجاح للوطن, لذلك فتفوقهم يأتي كإثبات نوع من الانتماء لوطنهم ونوع من الاعتراف بالجميل لوالد هذا الوطن الذي بذل ما بوسعه ولم يدخر جهدا لاسعاد ابناء شعبه وتحقيق تقدمهم ورفاهيتهم ومبادرات الشيخ زايد في اطار مجلس التعاون الخليجي والصراع العربي الاسرائىلي تحمل بصمات متميزة تتسم بالاعتدال والنظرة الواقعية ذات العمق الاستراتيجي, وهذا يكسب رئيس دولة الامارات احترام قادة الدول الكبرى, وربما يوجد لديكم في اللغة العربية هذا التعبير الهولندي الذي يقول (انه يجبر من يتعامل معه على الاحترام) , وخاصة في العالم العربي الذي تجد فيه بصمات الشيخ زايد هنا وهناك, فقد عملت في السفارات الهولندية في مصر وسوريا, المملكة العربية السعودية, رأيت عن قرب لمسات الشيخ زايد في كل هذه البلاد, اضافة الى انه يكاد لايخلو حوار دبلوماسي الا ويذكر فيه الشيخ زايد بمبادراته الزكية. وعلى الرغم من حداثة الامارات العربية المتحدة بالمقارنة بعدد لابأس به من الدول العربية, الا انها استطاعت خلال ربع قرن اظهار وجه متميز وصوت يتسم بالاعتدال وهذا كان ولايزال واحدا من اهم المداخل لعديد من الدول العربية في وقت الازمات لطرح الحلول المعتدلة وان اللغة التي يستخدمها الشيخ زايد لو تم جمع احاديثه وخطاباته (اقصد الخطاب السياسي والاقتصادي) يمكنني تأكيد ان خطابه يتسم بالتفرد والدعوة الى الحوار الهادىء البناء. فمثلا المشكلة على الجزر الثلاث (طنب الكبرى والصغرى وأبو موسى) , فقد بادرت الامارات بمطالبة احالة اوراق المشكلة الى محكمة العدل الدولية, ولم نسمع منها مفردات قاسية او عبارات تهديد, أو تعبئة مضادة او تحفيز بالاستعداء ضد اطراف النزاع, بل تطالب بحل المشكلة قانونيا للاحتفاظ بالعلاقات الطيبة مع ايران, ونرصد من خلال متابعتنا الاسلوب العملي والفعال للشيخ زايد وقدرته الفائقة على التعامل مع كل مشكلة بنظرة واقعية, وحتى في وقت الازمات العربية ــ العربية, كانت الامارات هي اقل الدول خلافا مع دولة عربية اخرى او يمكننا القول انها تكاد لاتكون على خلاف بصفة مطلقة, وهذا من الامور التي تحسب لسياسة الشيخ زايد الذي يعد وبجدارة رجل دولة حقيقي يعمد الى الاسلوب السياسي لا العدائي. الذكاء الذي يتميز به الشيخ زايد قد جعله يرسي قواعد الدولة ويرسي السياسة الثابتة التي تسير عليها الامارات عقودا طويلة من الزمان, فهي سياسة مرنة تتقبل متغيرات العصر, تحتضن الواقع ولا تهمل مصلحة المواطن, وقد ضمن الشيخ زايد بذلك لولي عهده الا يحيد عن الطريق المرسوم للامارات, والذي ارتبط بالمصالح العليا للوطن فالسياسة التي ارساها لم ترتبط بشخصه بل بالوطن, لذلك فهي سياسة تصلح لكل عهد من العهود. واهتمامنا بالشيخ زايد له عدة اسباب اولا ليس لكونه فقط رئىسا لدولة تربطنا بها في هولندا علاقات تعاون اقتصادية وسياسية تعتبر في القمة, ولا لكونه واحدا من قادة لدولة تقع في دائرة عملنا السياسي بالخارجية, لكن لاننا نلمس الجانب الاجتماعي في تناول الشيخ زايد لقضايا بلاده, ومخاطبته لشعبه, فبعكس كثير من احاديث قادة دول العالم تشعر وانت تسمعه انك تجلس مع والدك او شقيقك الاكبر الذي يهتم بمستقبلك وحياتك وحياة اولادك, فبعيدا عن العبارات السياسية التقليدية دعني انا اسألك واسأل نفسي معك بصوت عال: ماذا نريد نحن البشر في هذا العالم؟ اليس العيش في مناخ من الامن والاطمئنان والاستقرار, والكفاية لاحتياجاتنا من مأكل ومسكن وملبس ورعاية صحية, دون الدخول او الانخراط في صراعات مع الغير مهما كان هذا هو الغير, الشيخ زايد يفعل كل هذا ويمنحه لاخوانه في بلاده بحب, اضافة الى ان الرجل يتمتع بتواضع ذات قيمة انسانية عالية جدا, مثل هؤلاء الاشخاص هم ندرة فريدة في عصرنا هذا, ويحضرني الان من خلال قراءاتي لتاريخ المنطقة التحول التاريخي الذي حدث في ديسمبر سنة 1971, ذلك التحول الذي يعتبر انجح تجربة وحدة عربية في العالم العربي بأسره, فمثلا جمال عبد الناصر لم ينجح في وحدته الثنائية مع سوريا, والسادات لم ينجح في وحدته التي اطلق عليها التكامل بين مصر وليبيا والسودان, وهي دول مجاورة لديها كل مقومات الوحدة التي من الممكن ان تكفل لها النجاح, وكثير من المحاولات الوحدوية في المنطقة العربية التي فشلت, اما الامارات العربية المتحدة فقد بدأت بأساس وحدتها القانونية بوثيقة ميلاد الدولة على ما اذكر في نهاية يناير او بداية فبراير عام 1972, وحمل الشيخ زايد راية تلك الوحدة من سلفة, ولقد نظرنا في الغرب لهذا الهيكل العربي الاسلامي الذي ظهر بقوة بعين الاحترام, ولا تنس ان هذا العمل الفذ ولد على ارض الصحراء من (الصفر) , نحن في اوروبا على مدار نصف قرن من الزمان نسعى لوحدة اوروبية لم تتحقق كاملة بعد, بالرغم ان مقومات التقدم موجودة في الغرب منذ زمن بعيد, فهي حتى الان مازالت تعاني من وقت لآخر من العثرات, اما الامارات العربية المتحدة بفضل الشيخ زايد ومعاونيه نجحت فيما اخفقت فيه تكتلات كثيرة في العالم, تنظر لتجربة الامارات بعيون الغيرة والتطلع, ذلك الاتحاد الذي قام محتفظا بهويته العربية وعقيدته الفكرية التي خلت من التهليل والحماس الاجوف, وما كان ذلك كله يتحقق الا بفضل عدالة التوزيع لثروات البلاد, وتوفير الاحتياجات للمواطنين, كما ان تلاحم شعب الامارات مع قائد سفينته الشيخ زايد ومساحة التجاوب الكبيرة معه التي صنعها هو بتلقائية تبدو للمشاهد او السامع انها بسيطة وسهلة, لكنه يتمتع باسلوب السهل الممتنع وهنا تكمن قوته.