الأسرة المتماسكة في السراء والضراء صمام الامان للمجتمع مهما بلغت درجة التفكك فيه, وهذه الدرجة تتدرج من كونها حالات فردية تقع وتحدث في كل المجتمعات إلى الوصول والسقوط في كونها ظاهرة تثير القلق لكل الاجهزة المعنية لتدارك هذا التفكك السلبي بشتى الوسائل المتاحة. عندما نقول الاسرة نعني بها جميع خطوط العرض والطول والعمق بحيث يكون الرحم القريب والبعيد عونا على اصلاح شؤون الفرد الجانح لا سببا في زيادة حدة الضغط الاجتماعي عليه حتى يتحول إلى عنصر منبوذ لا فائدة من ورائه. أثار في ذهننا هذا الهاجس ما مر علينا أثناء اطلاعنا على وضع السجينات المنحرفات والمتواجدات بين قضبان السجون بمختلف امارات الدولة واللاتي ينتظرن من أهلهن نظرة اشفاق ورحمة تعيد إليهن اعتبارهن بين أسرهن قبل الآخرين من افراد المجتمع. تشير الدراسات إلى ان السجينة التي تعاني من النبذ الاجتماعي خاصة من أهلها تزيد احتمالات عودتها الى ارتكاب الجرائم بعد الافراج عنها, خاصة المتورطات في الجرائم الاخلاقية حيث بلغت احتمالات العودة 72,5% للعاهرات, و83% للسارقات. وهذه النسب كبيرة جدا للعودة إلى الاجرام بعد انتهاء فترة العقوبة بكل المقاييس, والسبب الرئيسي يرجع الى مفهوم العار الذي مازال عالقا في أذهان أفراد الاسر ذاتها وهو يشكل الحاجز النفسي الذي يقف حائلا دون الوصول الى مرحلة اندماج المنحرفات اللاتي تبن من جرائمهن سواء عن طريق تأثير العقوبة المباشرة عليهن أو وخز الضمير المستمر واختيار السبيل الأقوم بينهن وبين انفسهن للعيش في وئام تام مع الحياة الجديدة بعد خروجهن من بين أقبية السجون. فالاسرة هي المحطة الأولى التي لابد وان تجتاز اختبار القبول لديها وتأثير الرفض المبدئي للانثى أكبر وقعا منه على الذكر للفارق الكبير في نظرة الاسر لسمة الرجولة في الذكر والانوثة في الانثى, بحيث تشطح في التقدير لصالح الذكر على حساب الانثى على اساس أن العار يلحق بالانثى فقط ولا يتعدى مفعوله إلى الرجل مهما ارتكب من أخطاء. مع أن الجنسين بحاجة ماسة وشديدة الى ايواء الاسر لهما أولا وقبل كل شيء حتى يستقيم العود الاعوج فيهما من خلال الممارسة العملية لسلوكيات الاستقامة الواضحة بين جميع افراد المجتمع الذي لابد وان يتأقلم معهم من جديد مع تأقلم المجتمع ذاته مع هذا العنصر الذي غاب عنه فترة لارتكابه أفعال الجاهلين في لحظة غفلة بعيدة عن أعين الرقباء. ومع ذلك نرى أن الاسرة هي النواة الاولى القادرة على اعادة المنحرف او المنحرفة الى جادة الصواب فبقربها من افرادها الاسوياء وغير الاسوياء تعود المياه قطرة قطرة الى مجاريها بعد ان بعثرتها السيرة الماضية لبعض افرادها.