بعد التحية ـ بقلم : د. عبدالله العوضي

ننتقل الى النظام التربوي البريطاني للمرحلة الابتدائية بجميع مستوياتها الدراسية, فأبرز ما فيه هو عدم مطالبة التلميذ بأي واجب منزلي بعد عودته, فكل ما هو مطلوب منه ان يأخذ قسطا من الراحة ثم يتناول وجبة العشاء الرئيسية ثم يخلد الى النوم مبكرا جدا حتى يستطيع في اليوم التالي مواصلة التعليم من الساعة التاسعة صباحا الى الثالثة عصرا. ويتخلل هذه الساعات التي تبدو طويلة لأول وهلة مجموعة من البرامج الحيوية وينتقل التلميذ من نشاط الى آخر دون ان يشعر بالملل بحيث تكون لديه قناعة باستمرار الدراسة حتى في فترة الاجازة الاسبوعية السبت والأحد. والعكس عندنا هو الحاصل على طول الخط, فالتلميذ ليس لديه الصبر حتى يسمع جرس الحصة الاخيرة وبوده لو كان الأمر بيده الا يعود الى المدرسة ابدا. فهل التربية مدركة بأن هذا الشعور دفين في نفوس تلاميذ هذه المرحلة التعليمية والبعض منهم يصرح به دون خوف أو وجل من لوم الوالدين بأنه لا يريد ان يرى منظر المدرسة الكئيب والمتهالك بكل ما فيه. والذي يحز في النفوس أكبر من هذا القدر هو ان المدارس العربية على وجه العموم الموجودة في الدول الغربية تتعامل بنفس الطريقة التقليدية المتبعة في الدول العربية دون ان تضيف الى النظام التربوي شيئا من رائحة النظام التربوي الغربي في أدنى مزاياه الذي يقوم الآباء هناك بالتعامل المباشر معه لأن معظمهم طلاب دراسات عليا أو اساتذة في الجامعات الغربية الا انهم في تعاملهم مع النظام العربي للتربية والتعليم الممارس وفق اطار التعليم الخاص للجاليات تنقلب المفاهيم الحديثة وتتراجع الى الوراء قرونا عدة وكأنهم لم يروا نظاما معاصرا ولم يسمعوا به البتة. الطالب في بريطانيا في المرحلة الابتدائية يعيش حياته فعلا في نظام منظم من ناحية الوقت سواء في اداء الواجبات أو الحصص الدراسية أو الترفيه اليومي فلا يختلط عنده الجد بالهزل أو العكس. هناك زمنان منفصلان للفسحة اليومية ووقتان منفصلان للطعام, فوجبة الافطار يتم تناولها في مطعم المدرسة بعيدة عن الأكلات السريعة التي نسمع عنها في المقاصف والشروط الصحية لكل وجبة مراعاة بشكل دقيق, والتنوع في المأكولات واضح جدا طوال ايام الاسبوع ونادرا ما تتكرر وجبة واحدة ليومين متتاليين, والقاعات المتعددة الاغراض في كل مدرسة من لوازم العملية التربوية, فهي تتحول في دقائق الى ملاعب واسعة لممارسة الألعاب الرياضية الخاصة بالقاعات المغلقة, وفي لحظات أخرى الى قاعة للمسرح تؤدي عليها عروض الحفلات السنوية, وفي لحظة ثالثة تكون مكانا لاجتماعات الادارة المحلية أو المركزية, فماذا يقول أهل التربية والتعليم عن هذه الاجواء التربوية في بريطانيا, وهل يمكن تحقيقها عندنا أم هي من سابع المستحيلات؟!

تعليقات

تعليقات